الحجة كله ذهابًا وإيابًا بمنتهى الراحة والرفاهة التي كان يعجز عنها الملوك في
القرون الماضية .
وأما نفقة الحج الرسمية فقد وضعت حكومة الحجاز لها تعريفة في هذا العام
علم منها أنه يمكن للرجل أن ينفق على حجه هنالك بضعة جنيهات فقط بدون
الزيارة وبضعة عشر جنيهًا مع الزيارة ، وقلما تصل نفقة ركاب السيارات في الحج
والزيارة التي لا بد منها إلى عشرين جنيهًا ، وأحدثت للحجاج المترفين فنادق
يجدون فيها أحسن الطعام وأنقى الماء وجميع أسباب الراحة والصحة . ولقد كنت
أعددت لحجتي الأولى مع الوالدة رحمها الله تعالى مائة جنيه ذهبية ، وإنما لم أنفقها
كلها لأنني كنت ضيفًا للملك حسين رحمه الله تعالى مدة وجودي في الحجاز ، كما
كنت في الحجة الثانية ضيفًا للملك عبد العزيز أطال الله بقاءه موفقًا للإصلاح .
ومن أغرب أمر المسلمين في هذه الزمان أننا نسمع من بعض حجاجنا ونقرأ
لبعضهم من المقالات في الجرائد من التبرم والشكوى من نفقات الحج ومتاعبه ما
يدل أصح الدلالة على ضعف دينهم وعدهم الإنفاق في سبيل الله ونيل القربات عنده
من المغارم ، وإن كانت واجبة ، لا صدقات مندوبة . ويستبيحون لأنفسهم الطعن في
الذين يخدمون الحجاج في حِلِّهِم وترحالهم وطعامهم وشرابهم ومنامهم وتعليمهم
المناسك وصحبتهم في أثناء أدائها ، وفي غير ذلك من الزيارات ، والطعن في
حكومتهم أيضًا مما يخشى أن يكون آية على أن حجهم غير مبرور ولا مقبول عند
الله تعالى .
لهذا رأيت أن أنشر لهم في هذه الأيام من أشهر الحج أثارة تاريخية من حج
المسلمين في القرون الوسطى التي كان حال أهلها في الدين دون حال من قبلهم في
خير القرون ، وما كانوا يقاسونه في هذه السبيل سبيل الله من الشدائد والمغارم
راضين من الله محتسبين الأجر عنده ؛ لتكون عبرة لمن يتذكر ويخشى الله عز
وجل ، ويشكر نعمه على أهل هذا العصر .
مشقات الحج ونفقاته
في القرن السادس الهجري