إن العالم الكاتب الشاعر الأديب أبا الحسين محمد بن أحمد بن جبير الغرناطي
الأندلسي قد حج البيت الحرام ثلاث مرات ، خرج للأولى من غرناطة لثمان من
شهر شوال سنة 578 ثم ركب البحر من سبتة في مركب للروم الجُنْوَيين في 28
منه قاصدًا الإسكندرية ، وبعد حجه وإلمامه بالعراق فسورية عاد إلى الأندلس في
البحر ولقي فيه أهوالًا عظيمة منها انكسار مركبهم . وما وصل إلى بلده غرناطة إلا
لثمان بقين من المحرم سنة 581 وكان في أثناء هذه الرحلة يقيد أهم ما رآه وما
سمعه وما ألم به هو من معه فكان ذلك كتابًا حافلًا سمِّيَ( تذكرة بالأخبار ، عن
اتفاقات الأسفار )واشتهر برحلة ابن جبير .
وإنني أنقل منه هنا بعض ما كتبه من خبر إرهاق الحجاج في الإسكندرية ثم
في صعيد مصر وبعض ما كتبه عن جدة ثغر الحجاز الأعظم وأهلها وأمير مكة
وظلم الحاج وإرهاقهم ؛ ليكون عبرة لإخواننا المصريين ولسائر المسلمين ، فيشكروا
نعم الله تعالى عليهم بما مَنَّ على عباده من تيسير إقامة هذا الركن العظيم من أركان
الإسلام في هذا العصر وقلة نفقاته .
حال الحجاج في الإسكندرية والصعيد
في القرن السادس سنة 578 هـ
قال ابن جبير في حوادث شهر ذي الحجة سنة 578:
أوله يوم الأحد ثاني يوم نزولنا بالإسكندرية ، فمن أول ما شاهدنا فيها يوم
نزولنا أن طلع أمناء إلى المركب من قبل السلطان بها لتقييد جميع ما جلب فيه
فاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين واحدًا واحدًا وكتبت أسماؤهم وصفاتهم
وأسماء بلادهم ، وسئل كل واحد عما لديه من سلع أو ناضٍّ ليؤدي زكاة ذلك كله ،
دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل ، وكان أكثرهم
متشخصين لأداء الفريضة لم يصطحبوا سوى زاد لطريقهم ، فلزموا أداء زكاة ذلك
دون أن يسأل هل حال عليه حول أو لا ؟
واستنزل أحمد بن حسن منا ليسأل عن أبناء المغرب ، وسلع المركب ،
فطيف به مرقبًا على السلطان أولًا ، ثم على القاضي ثم على أهل الديوان ، ثم على