الدين لا يعرفه ، ولو عرفه لأمر بقطعه كما أمر بقطع ما هو أعظم منه ، ولجاهد
المتناول له ، فإن جهادهم من الواجبات ؛ لما يصدر عنهم من التعسف وعسير
الإرهاق وسوء المعاملة مع غرباء انقطعوا إلى الله عز وجل وخرجوا مهاجرين إلى
حرمه الأمين . ولو شاء الله لكانت عن هذه الخطة مندوحة في اقتضاء الزكاة على
أجمل الوجوه من ذوي البضائع والتجارات مع مراعاة رأس كل حول الذي هو محل
الزكاة ، ويتجنب اعتراض الغرباء المنقطعين ممن تجب الزكاة له لا عليه ، وكان
يحافظ على جانب هذا السلطان العادل الذي قد شمل البلاد عدله ، وسار في الآفاق
ذكره ، ولا يسعى فيما يسيء الذكر بمن قد حسن الله ذكره ، ويقبح المقالة في جانب
من أجمل الله المقالة عنه .
ومن أشنع ما شاهدناه من ذلك خروج شرذمة من مردة أعوان الزكاة في أيديهم
المسال الطوال ذوات الأنصبة فيصعدون إلى المراكب استكشافًا لما فيها فلا
يتركون عكمًا ولا غرارة إلا ويتخللونها بتلك المسال الملعونة ، مخافة أن يكون في
تلك الغرارة أو العكم اللذين لا يحتويان سوى الزاد شيء غُيِّبَ عليه من بضاعة أو
مال . وهذا أقبح ما يؤثر في الأحاديث المُلَعَّنَة ، وقد نهى الله عن التجسس فكيف
عن الكشف لما يرجى بستر الصون دونه من حال لا يريد صاحبها أن يطلع عليها ،
إما استحقارًا أو استنفاسًا دون بخل بواجب يلزمه ، والله الآخذ على أيدي هؤلاء
الظلمة بيد هذا السلطان العادل وتوفيقه إن شاء الله ) .
ثم قال الكلام على جدة وأهلها والحجاج فيها:
وأكثر سكان هذه البلدة مع ما يليها من الصحراء أو الجبال أشراف علويون
وحسنيون وحسينيون وجعفريون رضي الله عن سلفهم الكريم ، وهم من شظف
العيش بحال يتصدع له الجماد إشفاقًا ، ويستخدمون أنفسهم في كل مهنة من المهن
من إكراء جمال إن كانت لهم ، أو مبيع لبن أو ماء إلى غير ذلك من تمر يلتقطونه
أو حطب يحتطبونه ، وربما تناول ذلك نساؤهم الشريفات بأنفسهن ، فسبحان المقدِّر