لما يشاء ، ولا شك أنهم أهل بيت ارتضى الله لهم الآخرة ولم يرتض لهم الدنيا ،
جعلنا الله ممن يدين بحب أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا .
( ثم قال ) : وأكثر أهل هذه الجهات الحجازية وسواها فرق وشيع لا دين لهم
قد تفرقوا على مذاهب شتى ، وهم يعتقدون في الحاج ما لا يعتقد في أهل الذمة قد
صيروهم من أعظم غلاتهم التي يستغلونها ينتهبونهم انتهابًا ، ويسببون لاستجلاب ما
بأيديهم استجلابًا ، فالحاج معهم لا يزال في غرامة ومؤنة إلى أن ييسر الله رجوعه
إلى وطنه .
ولولا ما تلافى الله به المسلمين في هذه الجهات بصلاح الدين لكانوا من الظلم
في أمر لا ينادى وليده ، ولا يلين شديده ، فقد رفع ضرائب المكوس عن الحاج
وجعل عوض ذلك مالًا وطعامًا يأمر بتوصيلهما إلى مكثر أمير مكة ، فمتى أبطأت
عنهم تلك الوظيفة المترتبة لهم عاد هذا الأمير إلى ترويع الحاج وإظهار تثقيفهم
بسبب المكوس .
واتفق لنا من ذلك أن وصلنا جدة فأمسكنا بها خلال ما خوطب مكثر الأمير
المذكور فورد أمره( بأن يضمن الحاج بعضهم بعضًا ويدخلوا إلى حرم الله ، فإن
ورد المال والطعام اللذان برسمه من قبل صلاح الدين وإلا فهو لا يترك ماله قبل
الحاج )هذا لفظه كأن حرم الله ميراث بيده محلل له اكتراؤه من الحاج ، فسبحان
مغير السنن ومبدلها .
والذي جعل له صلاح الدين بدلًا من مكس الحاج ألفا دينار اثنان ، وألفا إردب
من القمح ، وهو نحو الثمانمائة قفيز بالكيل الإشبيلي عندنا ، حاشا إقطاعات أقطعها
بصعيد مصر ، وبجهة اليمن لهم بهذا الرسم المذكور ، ولولا مغيب هذا السلطان
العادل صلاح الدين بجهة الشام في حروب له هناك مع الإفرنج لما صدر عن هذا
الأمير المذكور ما صدر في جهة الحاج ، فأحق بلاد الله بأن يطهرها السيف ويغسل
أرجاسها وأدناسها بالدماء المسفوكة في سبيل الله هذه البلاد الحجازية ؛ لما هم عليه