الصفحة 8 من 40

أنه ينفع ويضر وإنما فيه أنه يشهد لمن استلمه بحق ، فإذا صحت هذه الشهادة مهما

كانت كيفيتها في عالم الغيب فهي لا تدل على أن الحجر الأسود يملك لأحد من

الناس ضرًّا أو نفعًا هو مختار فيه ، ولا يطلب أحد من المسلمين منه هذه الشهادة

بألسنتهم ولا قلوبهم فيقال: إن طلبه عادة ، وشهادة أعضاء الإنسان عليه يوم القيامة

أصح من شهادة الحجر وليست معبودة بهذا المعنى .

بقي أن يقال: إذا كان الحجر لا ينفع ولا يضر كما قال عمر في الموسم

تعليمًا للناس وأقره بعض الصحابة عليه . وكان استلامه وتقبيله لمحض الطاعة

والاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما يتبع في سائر العبادات ، فما هي

حكمة جعل ما ذكر من العبادة ؟ وهل يصح ما قيل من أن النبي صلى الله عليه

وسلم تركه في الكعبة مع أنه من آثار الشرك تأليفًا للمشركين واستمالة لهم إلى

التوحيد ؟

والجواب: أن الحجر ليس من آثار الشرك ولا من وضع المشركين ، وإنما

هو من وضع إمام الموحدين إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم ، جعله في بيت الله

ليكون مبدأ للطواف بالكعبة يعرف بمجرد النظر إليها فيكون الطواف بنظام لا

يضطرب فيه الطائفون .

وبهذا صار من شعائر الله يكرم ويقبل ويحترم لذلك كما تحترم الكعبة لجعلها

بيتًا لله تعالى ، وإن كانت مبنية بالحجارة ، فالعبرة بروح العبادة: النية والقصد ،

وبصورتها الامتثال لأمر الشارع ، واتباع ما ورد بلا زيادة ولا نقصان ، ولهذا لا

تُقَبَّلُ جميع أركان الكعبة عند جمهور السلف ، وإن قال به وبتقبيل المصحف وغيره

من الشعائر الشريفة بعض من يرى القياس في الأمور التعبدية .

وتعظيم الشعائر والآثار الدينية والدنيوية بغير قصد العبادة معروف في جميع

الأمم لا يستنكره الموحدون ولا المشركون ولا المعطلون ، وأشد الناس عناية به

الإفرنج فقد بنوا لآثار عظماء الملوك والفاتحين والعلماء العاملين الهياكل العظيمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت