بعضًا: أين تدرس؟ فيقول بكل زهو وافتخار: أدرس في كلية الطب، ثم يرفع الآخر رأسه، ويقول: أدرس في كلية الهندسة، ثم يطأطئ الثالث رأسه، ويقول: معدلي ضعيف؛ فدخلت كلية الشريعة [1] .
هذه مأساة لا بد أن نعترف بها في واقعنا المؤلم في أغلب بلادنا الإسلامية.
لقد كنت أتحدث مع عدد من المتخصصين، فكان مما قالوا: من المآسي التي رأيناها أن بعض علماء الأزهر يفتخرون أن أبناءهم يدرسون في كليات الطب والهندسة، وهذا نابع من خلل في نفوسهم، وانهزام في قلوبهم، ووهن في نظرتهم إلى انتمائهم وتخصصهم، فقد تسأل بعضهم عن أبنائه، أين يدرسون؟ فيقول: أحدهم في الطب، والثاني في العلوم، والثالث في الطب أيضًا، والرابع في الحقوق.
ومن عجائب انقلاب المفهومات أنك تسأل بعض المتعلمين: أين تخرجت؟ فيقول: تخرجت في أمريكا - يقولها بكل اعتزاز - وتسأل الآخر السؤال نفسه، فيقول: لم يسمح لي أبي، فدرست في داخل بلدي - يقولها بمرارة -.
هذا كله ناجم عن الهزيمة النفسية التي أدت إلى تشوه التصورات، وتحول النظرات، فصرنا إلى حال من الضعف والتأخر يرثى لها.
إن العزة كل العزة في دراسة العلوم الشرعية، والعناية بكتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولكن الطعنات النُّجل التي وجهتها وسائل التغريب إلى جسد الأمة، التي ما زالت ترجع القهقري عن مقومات عزها، وأسباب ريادتها؛ أقول: إن
(1) - وهذا في غير هذه البلاد، لأن كليات الشريعة عندنا لا تقبل إلا من معدله مرتفع، وطالب الشريعة في بلادنا يرفع رأسه عاليا، وله مكانته الاجتماعية الرفيعة.