الصفحة 115 من 179

ونظمه وشعبه، مع ذلك فإن هذه الأحاديث وجدت رواجا وسيطرت على الجماهير الكثيرة. قرأت خمسين حديثا ترغب في الفقر وقلة ذات اليد وما جاء في فضل الفقراء والمساكين والمستضعفين وحبهم ومجالستهم كما قرأت سبعة وسبعين حديثا ترغب في الزهد في الدنيا والاكتفاء منها بالقليل وترهب من حبها والتكاثر فيها والتنافس.. وقرأت سبعة وسبعين حديثا أخرى في عيشة السلف كيف كانت كفافا... ذكر ذلك كله المنذرى في كتابه الترغيب والترهيب وهو من أمهات كتب السنة، ورحم الله المؤلف الحافظ وغفر لنا وله، فهو حسن النية ناصح للأمة، بيد أن الفقه الصحيح يقتضى منهجا آخر، ومسلكا أرشد.. وأعرف ويعرف غيرى أن عبادة الدنيا أهلكت الأولين والأخرين وأنها من وراء جرائم مذهلة يقترفها الخاصة قبل العامة، والرؤساء قبل الأتباع والأذكياء قبل الأغبياء، ولكن العلاجي الصحيح للداء العضال يكون بالتمكن من الدنيا والاستكبار على دناياها.. املك أكثر مما ملك قارون من المال، وسيطر على أوسع مما بلغه سليمان من سلطات، واجعل ذلك في يدك، لتدعم به الحق حين يحتاج الحق إلى دعم: وتتركه لله في ساعة فداء حين تحين المنية!! أما أن تعيش صعلوكا، حاسبا أن الصعلكة طريق الجنة فهذا جنون وفتون. إذا كان الإلحاد يفرض سلطانه بالتمكين في الأرض، فإن انصرافك عن التمكن من الأرض فاحشة أشد من الزنا والربا.. ولنناقش بعض ما روى في هذا المجال لنعرف ما وراءه: عن أنس بن مالك رضى الله عنه، اشتكى سلمان الفارسى- في مرض موته- فعاده سعد بن أبى وقاص، فرآه يبكى، فقال له سعد: ما يبكيك يا أخى؟ أليس قد صحبت ص _139

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت