فهرس الكتاب
إن كثرة عظمى من الذين أجابوا على هذا السؤال في رسائلهم إلى الصحيفة من الرجال ذوى الثقافة والمكانة المرموقة قالوا- حسب ما أذكر ـ أنه يجب إنقاذ التمثال وترك الطفل يهلك (!) . وكانت حجتهم في ذلك: أن ملايين الأطفال يولدون يوميا على حين أن هذا التمثال لايمكن تعويضه، فإنه عمل فنى عظيم من تراث اليونان". أرأيت كفرا أقبح من هذا الكفر؟ وإهانة للإنسانية أبشع من هذه الإهانة؟. حجر يستنقذ وطفل رقيق وديع يترك حطبا للنار؟. المثير في هذه القضية أن مصورا يرسم على الورق منظر الشروق أو الغروب بمهارة تحاكى الأصل أو تومىء إليه يعد فنانا جديرا بالإشادة والتقدير! أما صاحب الأصل نفسه، أما فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا، فهو ينسى أو يجحد، ولا توجه إليه عبارة ثناء! عندما يجىء فنان إلى حجر فيطبع عليه صورة إنسان، يكون رجلا عظيما.. وتبلغ عظمته القمة عندما يقترب في نحته من قسمات الإنسان الأصيل وتعابير وجهه.. أما خالق الإنسان نفسه ومبدع الحياة في خلاياه ومجرى الدم في العروق، وبارئ الحس في الأعصاب، ومودع الذكاء في المخ، ومطلق هذا البشر العجيب ليملأ الدنيا حراكا وإنتاجا. هذا الخالق الماجد لا تذكره الحضارات الضالة بكلمة تقدير وإعزاز. إن الوثنيات اليونانية والرومانية انتقلت إلى الحضارة الأوربية، وليست النصرانية إلا قشرة مزورة ملصقة على وجه كفور يرفضها وينأى عنها. ص _095"