الصفحة 10 من 211

وأذكر من هذا حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - الذي أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد بسند حسن:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال عليه الصلاة والسلام: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذن".

لو أردت أن تبيع كيلو رطب بكيلو تمر مع التقابض، تحقق التقابض والتماثل كيلو وكيلو -التقابض- هل يجوز؟ لا يجوز. قد تحقق الشرطان، التماثل هنا لا يتحقق، لماذا؟ لأن هذا الرطب سوف ينقص إذا يبس، مع أن التفاوت يسير جدا، فما مقدار هذا التفاوت في كيلو وكيلو بين رطب وتمر؟ ومع ذلك منعه النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وهذا الحديث فيه أبلغ الرد على من أجاز الدخول في الشركات التي تتعامل بالربا إذا كانت نسبة الربا فيها قليلة، فنقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع بيع الرطب بالتمر مع أن التفاوت يسير بل يسير جدا، فما الذي يبيح الدخول في هذه الشركات التي تتعامل بالربا وبعضهم أوصلها إلى ثلاثين في المائة؟!

ولهذا أقول أيها الإخوة -وهذه إشارة عن هذه المسألة وسوف نتكلم عنها بالتفصيل في حينها إن شاء الله تعالى- ولهذا أقول: لا بد إذا نظرنا إلى هذا الأصل -وهوأن الأصل في المعاملات الحل والإباحة- أن ننظر أيضا إلى أن الشريعة قد شددت في شأن الربا، بل بالغت في التشديد بل منعت بعض التعاملات سدا لذريعة الربا، ومنها مثلا العينة: وهي بيع شيء بثمن مؤجل، أن يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل منه نقدا، لو حصل هذا من غير مواطأة، قلنا: أيضا لا يجوز؛ من باب سد الذريعة.

فإذن الشريعة قد بالغت في سد جميع الذرائع الموصلة للربا وشددت في هذا وبالغت في التشديد فيه، فلا بد إذن عندما نقول الأصل في المعاملات الإباحة أن ننظر أيضا لهذا المقصد الشرعي وهو المبالغة في الربا وفي سد جميع الذرائع الموصلة إليه.

وقد تكون بعض المسائل لا تظهر الحكمة فيها بشكل جلي، يعني بعض التعاملات -خاصة فيما يتعلق بأبواب الربا- قد تظهر الحكمة فيها، ولكن بعض المسائل قد لا تظهر الحكمة فيها، وإن كان كما قال ابن القيم:"أنه ما من حكم إلا ولله تعالى فيه حكمة"لكن قد لا تظهر بشكل واضح وبشكل جلي فمثلا: عند بيع صاع من تمر جيد بصاعين من تمر رديء. هذا لا يجوز، وإن كان قيمتهما واحدة مع أنه ليس فيه ظلم لأن قيمة هذا تعادل قيمة هذا، ولكن مع ذلك منعت منه الشريعة.

ولكن المخرج من هذا سهل؛ ولهذا أورد هذه القصة التي وردت في الصحيحين وغيرهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بتمر جيد -بتمر جنيب من النوع الجيد- فقال عليه الصلاة والسلام:"أكل تمر خيبر هكذا؟ قالوا: لا يا رسول الله. إنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة. فقال عليه الصلاة والسلام: أوه هذا عين الربا"بيع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت