أقول أيها الإخوة بعد ذلك: إن ما أباحه الله تعالى أكثر بكثير مما حرمه؛ فالأصل في باب المعاملات الحل والإباحة، والأصل في باب العبادات الحظر والمنع، وهذه قاعدة عظيمة نافعة. وتكاد تكون هذه القاعدة محل اتفاق أو قول أكثر أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"العادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله وإلا دخلنا في معني قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا} [1] ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله".
المقصود أن هذه قاعدة عظيمة نافعة وهي أن الأصل في باب المعاملات الحل والإباحة؛ ولهذا إذا اختلف اثنان في معاملة من المعاملات فالذي يُطالَب بالدليل هو الذي يقول إنها حرام. أما الذي يقول إنها حلال فإن معه الأصل ولا يطالب بالدليل.
وهذا بعكس أو بخلاف العبادات، الأصل فيها المنع والحظر إلا ما ورد الدليل بمشروعيته. ولهذا اختلف اثنان في عبادة من العبادات أحدهما يقول مشروعة والآخر يقول غير مشروعة الذي يطالب بالدليل هو الذي يقول إنها مشروعة. أما الذي يقول إنها غير مشروعة فمعه الأصل.
ولكن أقول: مع أن هذا هو الأصل إلا أنه ينبغي أن تنظر إلى أن الشريعة قد شددت في شأن الربا، وبالغت في التحذير منه، حتى إن النبي - صلى الله عليه وسلم -"لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه"والربا أعظم في الإثم من الزنا، بل إن درهم ربا أشد من ست وثلاثين زنية؛ ولهذا ذكر القرطبي في"جامع الأحكام القرآن": أن رجلا أتى للإمام مالك يستفتيه: قال إني رأيت بالأمس رجلا سكرانا، يريد أن يصطاد القمر -يعني من شدة سكره- فحلفت بالطلاق أنه لا يدخل جوف بن آدم شيء أخبث من الخمر. فاستعظم الإمام مالك هذه المسألة -كان عادة السلف التثبت وعدم الاستعجال في الفتيا- استعظم الإمام مالك هذه المسألة وقال: ائتني بعد ثلاث ليال، فأتاه هذا السائل المستفتى بعد ثلاث ليال، فقال الإمام مالك: امرأتك طالق، إني تأملت كتاب الله فلم أر شيئا يدخل جوف بن آدم أخبث ولا أشر من الربا.
لماذا أفتاه بوقوع طلاق امرأته؟ لأنه حلف أنه لا يدخل جوف بن آدم شيء أخبث من الخمر، فقال الإمام مالك: هناك شيء أخبث من الخمر وهو الربا. الربا إذن أعظم في الإثم من الخمر وأعظم في الإثم من الزنا، كيف وقد توعد الله - عز وجل - بالحرب آذن بالحرب آكل الربا، وأمره عند الله - عز وجل - عظيم جدا، وقد بالغت الشريعة في سد جميع الذرائع الموصلة للربا ولو من وجه بعيد.
(1) - سورة يونس آية: 59.