الصاع بالصاعين عين الربا. ثم أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مخرج سهل:"ولكن بع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم جنيبا".
يعني: بع التمر الرديء وهو الجمع وهو أخلاط من التمر الرديء بالدراهم واشتر بالدراهم تمرا جيدا، مع أن النتيجة واحدة؛ يعني سواء بعت تمر رديء بتمر جيد مباشرة، أو أنك بعت التمر الرديء بدراهم ثم أخذت الدراهم واشتريت بها تمرا جيدا، أليست النتيجة واحدة؟ ومع ذلك هذا التعامل بها مباشرة محرم بل سماه النبي - صلى الله عليه وسلم - عين الربا، جعله عين الربا بيع الصاع بالصاعين عين الربا، ولكن إذا بعت التمر الرديء بدراهم ثم أخذت الدراهم واشتريت بها تمرا جيدا فهذا مخرج شرعي. ولله تعالى في هذا الحكمة البالغة، ولكن هكذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولهذا فإن مسائل الربا من المسائل الدقيقة، ولهذا ذكر الله - عز وجل - عن بعض الناس أنهم أنكروا الربا وقالوا: ما الفرق بين الربا والبيع؟ {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [1] يقولون: كيف تقولون إن هذا محرم؟ البيع مثل الربا، لا فرق بينهما؛ فأنكر الله عليهم ورد عليهم وقال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [2] .
يقول صاحب الكشاف:"فإن قلت هلّا قيل إنما الربا مثل البيع؟ لأن الكلام في الربا لا في البيع، قلت: جيء به على طريق المبالغة وهو أنه بلغ من اعتقادهم في حل الربا بأنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع، وقوله: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [3] إنكار لتسويتهم بينهما ودلالة على أن القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله تعالى وتحريمه"إلى آخر ما قال.
فالفرق إذن، قد يكون الفرق بين الحلال والحرام فرق دقيق، الفرق بين الربا والبيع فرق دقيق، وهذا يدل أيضا على أن المسلم يستطيع أن يصل إلى مقصوده وغرضه بالطريق المباح، وهذا من ثمرة التفقه في الدين.
فمثلا: من أراد أن يحصل يعني عنده تمر رديء وأراد أن يحصل مقابله على تمر جيد، أو عنده ذهب قديم وأراد أن يحصل على ذهب جديد، إن باعه مباشرة مع التفاضل وقع في عين الربا، المخرج يبيعه بدراهم ويشتري بالدراهم
(1) - سورة البقرة آية: 275.
(2) - سورة البقرة آية: 275.
(3) - سورة البقرة آية: 275.