فهرس الكتاب
مثال آخر: رجل طلب من مقاول أن يبني له بيتا، والمواد من عند المقاول فهذا يعتبر استصناعا، لكن لو أنه طلب من هذا المقاول أن يبني له بيتا وتعهد له بأن يحضر له مواد البناء فإن هذا لا يعتبر استصناعا وإنما يعتبر إجارة.
إذا هذا العقد بهذا المعنى الذي ذكرناه منع منه جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلا إذا توفرت فيه شروط السلم، جميع شروط السلم ومنها: تسليم رأس المال كاملا في مجلس العقد، وبناء على ذلك على رأي الجمهور لو ذهبت تخيط ثوبا لا بد أن تنقد الخياط رأس المال كاملا وإلا ما صح، وهكذا بالنسبة للمقاول في بناء البيت وسائر - يعني - ما يمكن أن يمثل به بهذا العقد.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الحنفية: أن عقد الاستصناع عقد مستقل متميز عن السلم وليس نوعا من السلم حتى نشترط فيه جميع شروط السلم، وإنما هو عقد مستقل متميز عن السلم بمسائله وأحكامه، ولا يشترط فيه تسليم رأس المال بل يجوز تأجيل رأس المال كله أو بعضه، وقول الحنفية في هذه المسألة هو الراجح، وهو الذي عليه عمل المسلمين من قديم الزمان، بل قال بعض العلماء: إنه يشبه أن يكون هذا إجماعا عمليّا من المسلمين على الاستصناع، ولو أخذنا بقول الجمهور في المسألة للحق الناس حرج كبير في الحقيقة، وإذا أردت أن تخيط الثوب لا بد أن تنقد جميع الثمن للخياط، لو أردت أن تبني عمارة لا بد أن تنقد جميع الثمن للمقاول، أردت أن تستصنع مثلا بابا أو - أي سلعة - لا بد أن تنقد جميع رأس المال، يعني تسلم رأس المال مقدما كاملا، وهذا فيه حرج كبير على الناس في الحقيقة، بل لا يسع الناس في الوقت الحاضر إلا قول الحنفية في المسألة، وكما ذكرنا يشبه أن يكون - يعني - الإجماع العملي من المسلمين على رأي الحنفية في هذه المسألة، وعلى هذا قرر المجمع الفقهي الإسلامي الأخذ بقول الحنفية في هذه المسألة، لأن القول أيضا بأنه نوع من السلم ولا بد أن تشترط فيه شروط السلم لا دليل عليه في الحقيقة، ليس عليه دليل ظاهر ويلحق الناس بسببه حرج كبير ولو أراد شخص أن يذهب إلى خياط مثلا وكان حنبليا مثلا أو شافعيا فلا بد أن ينقد الثمن كاملا وإلا ما صح هذا العقد لابد أن ينقد الثمن كاملا عندما يبني بيتا عندما يستصنع أية سلعة لكن قول الحنفية كما ذكرت يعني فيه شيء من التوسعة على المسلمين وعليه عمل المسلمين من قديم الزمان والحمد لله، فيكون القول الراجح في هذه المسألة القول بجواز الاستصناع وأنه عقد مستقل عن السلم، ومما استدل به لهذا ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اصطنع خاتما من ذهب وجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه، فاصطنع الناس خواتم من ذهب، فرقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إني كنت اصطنعته وإني لا ألبسه فنبذه، فنبذه الناس"ثم أصبح عليه الصلاة والسلام يتخذ خاتما من فضة، ولهذا يجوز لبس الخاتم من فضة، أما الذهب فإنه محرم على الرجال، وأما الفضة فإنه يجوز، وهل يقال: إنه مستحب لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لبس خاتم الفضة؟ الصحيح في هذه المسألة أنه