الصفحة 13 من 211

جاء أبو بكر - رضي الله عنه - وذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبل ما بين عينيه وقال:"بأبي وأمي طبت حيّا وميّتا"ثم أتى والناس يموجون في المسجد فقال لعمر أنصت ثم خطب الناس وقرأ هاتين الآيتين، قال:"أيها الناس من كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات"ثم قرأ: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) } [1] {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [2] .

يقول عمر - رضي الله عنه -"والله لكأن الآية نزلت في هذه اللحظة وكأني لم أسمع بالآية إلا الآن"هذا وهو عمر أعلم الصحابة بعد أبي بكر ومع ذلك يعني ذهل عن هذا المعني، فقد يحصل الذهول العالم وإن كان كبيرا؛ ولذلك فإن من فوائد الاجتهاد الجماعي أن العلماء يذكر بعضهم بعضا، وربما ذهل العالم عن حكم أو عن مسألة أو عن نص أو عن دليل فيذكره العالم الآخر، ويحصل النقاش والحوار في هذا، فيكون ذلك أقرب إلى التوفيق وإلى إصابة حكم الله ورسوله، وقد كان هذا هو منهج السلف رحمهم الله.

فكان عمر - رضي الله عنه - يجمع الناس عندما تنزل نازلة ويحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي فيها، وهذا - يعني - روي عن عمر - رضي الله عنه - وقائع كثيرة، ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري في قصة ذهاب عمر - رضي الله عنه - والصحابة إلى الشام، فقد جاء في صحيح البخاري عن بن عباس"أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال بن عباس: فقال عمر:"ادع المهاجرين الأولين"فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع في الشام، فاختلفوا، قال بعضهم: قد خرجنا لأمر ولا نرى أن نرجع، وقال آخرون: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نري أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي الأنصار، قال بن عباس: فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح. قال: فدعوتهم فلم يختلف منهم رجلان، وقالوا: نري أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس وأخبرهم بأنه عازم على الرجوع، فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن كانت لك إبل هبطت واديا له عدوتان -والعدوة هي المكان المرتفع- إحداهما خصيبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصيبة رعيتها بقدر الله؟ وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا عن بعض حاجته فقال: إن عندي في هذا علما، سمعت رسول"

(1) - سورة الزمر آية: 30.

(2) - سورة آل عمران آية: 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت