الصفحة 14 من 211

الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إذا سمعتم به -يعني بالطاعون- بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه"قال: فحمد الله عمر ثم انصرف"."

فهذا أيها الإخوة مثال للاجتهاد الجماعي، فكان عمر - رضي الله عنه - يجمع الناس ويستشيرهم، ولم يكن ينفرد برأيه فانظر في هذه القصة، كيف أنه جمع الناس ثلاث مرات حتى وفق لإصابة حكم الله ورسوله، وأتى عبد الرحمن بن عوف وأخبره بأن هذا الحكم الذي قد استقر عليه رأي عمر أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك فإن -يعني- الاجتهاد الجماعي أقرب ما يكون إلى التوفيق وإلى إصابة الحكم الشرعي.

وقد أخرج الدارمي في مسنده عن المسيب بن رافع قال:"كانوا -يعني صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم- إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر اجتمعوا لها وأجمعوا فالحق فيما رأوا"هكذا كان منهج الصحابة رضي الله عنهم، كان أبو بكر يجمع الناس، وكان عمر وكان عثمان، وكان علي، كان الصحابة رضي الله عنهم إذا نزلت بهم نازلة اجتمعوا وتشاوروا وبعد ذلك يقررون ما يرون أنه أقرب إلى حكم الله ورسوله، وفي الغالب أنهم يوفقون، كما في هذه القصة، قد وفقوا لإصابة الحكم الشرعي.

وذلك أن التشاور أنه منهج عظيم في دين الإسلام وقد أمر الله تعالى به وقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [1] أخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن أبي حاتم بسند قوي عن الحسن أنه قال:"ما تشاور قوم قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما يحضرهم"وفي لفظ:"إلا عزم الله لهم بالرشد، أو بالذي ينفع".

وفي تفسير قول الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [2] قال الحسن:"قد علم أنه ما به إليهم حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده".

فإذن الاجتماع والتشاور يفتح باب الحوار والنقاش، ويجد كل فرد عند غيره من الأدلة والعلم والفقه والإدراك وطريقة الاستنباط ما لا يجده عند نفسه، وتتقارب الأفهام وتضيق هوة الخلاف، وأيضا يجد المرء في الشورى إنقاذا لنفسه من التقول على الله - عز وجل - ما لم يقل، ومن التوقيع عن الله تعالى بما لم يأذن به.

ولهذا فإن الاجتهاد الجماعي في المسائل والنوازل هو أقرب للتوفيق من الاجتهاد الفردي. فإن قلت: أين الاجتهاد الجماعي في الوقت الحاضر؟ أين نجده؟ نقول: الأمة لا تزال بخير، والحمد لله وقد وجدت المجامع فقهية والهيئات العلمية، وهي تمثل هذا الاجتهاد الجماعي. وأبرز المجامع الفقهية في العالم الإسلامي مجمعان:

(1) - سورة آل عمران آية: 159.

(2) - سورة آل عمران آية: 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت