فهرس الكتاب
وأضاف بعض أهل العلم للقسم الأول - وهو ما يجوز بعوض وبدون عوض - أضافوا له ما كان فيه ظهور لأعلام الإسلام وأدلته وبراهينه، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمهما الله، وقد فصل ابن القيم في كتابه القيم"الفروسية"فصل الكلام في ذلك وذكر، أو واستدل لهذا بقصة مراهنة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لكفار قريش كما عند الترمذي وغيره بسندٍ، قال ابن القيم: إنه على شرط الصحيح، أنه لما نزل قول الله تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ} [1] إلى آخر الآيات، وكان المسلمون يحبون انتصار الروم على فارس، وكانت قريش تحب انتصار فارس على الروم.
لماذا كان المسلمون يحبون انتصار الروم على فارس؟
من يجيب؟ نعم، لأنهم أهل كتاب، يعني مع أنهم كفار، لكن لأنهم أهل كتاب يحبون انتصارهم، وقريش تحب انتصار فارس؛ لأنهم ليسوا أهل كتاب فيشابهونهم من هذه الناحية، ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان بالبعث فيشابهونهم من هذه الناحية، وهذا يدل على أن المسلم ينبغي أن يفرح بانتصار إخوانه المسلمين، ولو كان عندهم شيء من التقصير، إذا كان المسلمون يحبون انتصار الروم مع أنهم كفار، ما بالك بالمسلم عنده شيء من القصور أو التقصير؟
فكان المسلمون يحبون انتصار الروم؛ لأنهم فقط أهل الكتاب، وذكر الله تعالى فرحهم بهذا: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) } [2] فلما أنزل الله - عز وجل - هذه الآيات خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة يقرأها على الناس، فقال ناس من قريش قالوا لأبي بكر: تزعم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين؟ ألا نراهنك على ذلك؟ قال: نعم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك وسطًا ننتهي إليه، يعني أنت تقول: إن الروم ستنتصر على فارس في بضع سنين والبضع ما بين ثلاث إلى تسع فاجعل وسطًا، فجعل ست - وفي رواية - خمس سنين، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لأبي بكر:"هلا أخفضت"وفي رواية"هلا احتطت"يعني: لو جعلتها تسعًا احتياطًا، فكان ذلك أكثر حزمًا، فمضت ست سنين ولم تغلب الروم فارسًا، فأتوا إلى أبي بكر
(1) - سورة الروم آية: 1 - 5.
(2) - سورة الروم آية: 3 - 5.