فهرس الكتاب
الصديق - رضي الله عنه - وأخذوا منه الرهان، يعني: اتفق معهم على أن الروم ستغلب فارسًا فانظر إلى قول النبي - عليه الصلاة والسلام:"هلا احتطت؟"يعني كان ينبغي أن يتحاط ويجعلها تسع، لكنه وافقهم على مقولتهم في قولهم: اجعل وسطًا، فوافقهم على ستٍ، فلما مضت ست سنين ولم تغلب الروم فارسًا، أتوا أبا بكر - رضي الله عنه - وأخذوا منه الرهان، ولكن أبا بكر - رضي الله عنه - كان على يقين بوعد الله سبحانه، وأن ما قاله الله حق، فعاد أبو بكر، وراهن مرة أخرى على أن الروم ستغلب فارسًا خلال هذه الثلاث السنين المتبقية فراهنوه، فلما كانت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فأخذ أبو بكر - رضي الله عنه - منهم الرهان، يعني استرد رهانه.
قيل: إنه أسلم أناس في ذلك الحين لما غلبت الروم فارسًا. والشاهد من هذه القصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر أبا بكر الصديق على هذه المراهنة، وهذا يدل على أن ما كان في معنى هذه المراهنة فيه إظهار لأعلام الإسلام وأدلته وبراهينه فإنه جائز ولا بأس به.
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه"الفروسية"قال:"وأما الرهان على ما فيه ظهور أعلام الإسلام وأدلته وبراهينه، كما راهن الصديق، فهو من أحق الحق وهو أولى بالجواز من الرهان على النضال وسباق الخيل والإبل، وأثر هذا في الدين أقوى، لأن الدين قام بالحجة والبرهان وبالسيف والسنان، والمقصد الأول إقامته بالحجة، والسيف منفذ."
قال: وإذا كان الشارع قد أباح الرهان في الرمي والمسابقة بالخيل والإبل؛ لما في ذلك من التحريض على تعلم الفروسية وإعداد القوة للجهاد، فجواز ذلك في المسابقة والمبادرة إلى العلم والحجة التي بها تفتح القلوب ويعز الإسلام وتظهر أعلامه أولى وأحرى.
فتكون إذن هذه الحالة تضاف للقسم الأول، فنقول: ما كان إذا كانت المسابقة في الإبل والخيل والسهام، أو كان فيها إظهار لأعلام الإسلام أو أدلته وبراهينه فإنها تجوز بعوض وبدون عوض.
جمهور الفقهاء اشترطوا: إذا كانت المسابقة في الإبل والخيل اشترطوا إدخال محللٍ، أي فرس ثالث يدخل مع الخيل، أو ثالث يدخل مع الإبل، ويكون هذا المحلل الثالث مع المتسابقين ولا يخرج شيئًا هذا المحلل الثالث، فإن سبقهما أخذ سبقهما، وإن سبقاه أحرزا سبقهما. ولم يغرم المحلل شيئًا، وإن سبق المحلل مع أحدهما اشترك هو والسابق في سبقه.
إذن الجمهور اشترطوا إدخال محلل ثالث لا يخرج شيئًا، فإن سبقهما أخذ سبقهما، وإن سبقاه أحرزا سبقهما ولم يغرم شيئًا، وإن سبق المحلل مع أحدهما اشترك هو والسابق في سبقه، واعتمدوا في ذلك على حديث ضعيف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المحلل، ولكن هذا الحديث حديث ضعيف لا يصح ولا تقوم به حجة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: