فهرس الكتاب
إن القول بالمحلل مذهب تلقاه الناس عن سعيد بن المسيب، وأما الصحابة فلا يحفظ عن أحدٍ منهم قط أنه اشترط المحلل ولا راهن به مع كثرة تناضلهم ورهانهم بل المحفظوظ عنهم خلافه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ما علمت بين الصحابة خلافًا في عدم اشتراط المحلل. وقد بسط ابن القيم رحمه الله هذه المسألة في كتاب"الفروسية"ونصر القول بعدم اشتراط المحلل.
إذن هذا القول قول مرجوح، ولا يعرف هذا القول عن الصحابة، وإنما أول من قال به سعيد بن المسيب، وتبعه بعض العلماء، والصواب عدم اشتراط المحلل؛ لعدم الدليل الصحيح الدال على اشتراط المحلل، والحديث المروي في ذلك ضعيف، بل إن هذا القول - وهو القول باشتراط المحلل - لا يُعلم عن الصحابة ولا يعرف عن الصحابة، بل لا يعرف عن أحدٍ من الصحابة.
وإنما ذكرت هذه المسألة لأنكم تجدونها في كتب الفقه، في عامة كتب الفقه عندما تتكلم عن أحكام السبق، يتكلمون عن هذه المسألة، والصواب عدم اشتراط المحلل.
المسابقات في غير هذه الأمور التي استثناها الشارع إذا كانوا متسابقان فأكثر يحصل منهم بذل العوض فإنها تكون من الميسر، وهذا يقُودنا إلى معرفة معنى الميسر والقمار والعلة في تحريمه، فنقول: إن الميسر معناه في لغة العرب اللعب بالقداح.
وقال الجوهري: الميسر قمار العرب بالأزلام.
وأما اصطلاحًا: هو جميع المغالبات التي فيها عوض من الجانبين كالمراهنة ونحوها إلا فيما استثناه النص.
وأما القمار: فهو التردد بين الغرم والغنم.
وكثير من العلماء لا يفرق بين القمار والميسر، وبعضهم يجعل القمار نوعًا من الميسر، ويجعل الميسر أعم من القمار، قد روي عن الإمام مالك أنه قال:"الميسر ميسران: ميسر لهو وميسر قمار".
كأن أصحاب هذا القول يرون أن القمار ما كان فيه بذل عوض، والميسر ما كان فيه بذل عوض، أو ليس فيه بذل عوض وتحققت فيه العلة، فيكون بناء على هذا التفريق: كل قمار ميسر وليس كل ميسر قمار.
وقد نهى الله - عز وجل - عن الميسر كما في سورة المائدة وقرنه بالخمر قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) } [1] .
فما هي العلة في تحريم الميسر؟ هل العلة في تحريمه هو ما فيه من المخاطرة المتضمنة لأكل المال بالباطل؟.
أو أن العلة هي ما اشتمل عليه من المفسدة حتى وإن خلا عن العوض، الذي ذهب إليه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمة الله على الجميع: أن علة تحريم الميسر هو ما اشتمل عليه من المفاسد المذكورة في هذه الآيات.
قال ابن القيم:"وهذا هو أصح نصًا وقياسًا، وأصول الشريعة تشهد له بالاعتبار، فإن الله قرن الميسر بالخمر والأنصاب والأزلام، وأخبر عن هذه الأربعة بأنها رجس، وأنها من عمل الشيطان، ونبه - عز وجل - على وجوه المفسدة في الخمر والميسر، فقال: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} [2] ."
إذن هذه هي المفاسد المترتبة على الخمر والميسر وهي إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فإذن هذه هي علة تحريم الميسر، وليست العلة هي أكل المال بالباطل، فتحريم الميسر إذن هو من جنس تحريم الخمر فإنه يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله، وأكل المال فيه عون وذريعة على الإقبال عليه، فيكون إذن إذا اشتمل على أكل المال بالباطل يكون أشد تحريمًا، أما إذا كان الميسر لا يشتمل على أكل المال بالباطل، وإنما يشتمل على هذه المفاسد أو بعضها وهو أيضًا محرم.
فإن قال قائل: ما وجه اقتران الميسر بالخمر في هذه الآيات، وفي آية البقرة أيضًا: {* يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [3] نجد دائمًا الميسر يقترن بالخمر، الحكمة في هذا - والله أعلم - هو أن الميسر من يدخل فيه يصبح مدمنًا كالخمر تمامًا. يصبح مدمنًا كالخمر، فقليله يدعو إلى كثيره، ولهذا فإن من يدخل في قليل الميسر يستمر فيه، ويُصبح مدمنًا عليه كالخمر تمامًا، ولأن كلًا منهما يوقع العداوة والبغضاء، وكلًا منهما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
(1) - سورة المائدة آية: 90 - 92.
(2) - سورة المائدة آية: 91.
(3) - سورة البقرة آية: 219.