الصفحة 16 من 211

بعد ذلك أقول: إن الفتيا في المسائل المعاصرة والمسائل المالية على وجه الخصوص على ثلاثة مناهج: فبعض العلماء يتشدد في مثل هذه المسائل، الطرف الثاني يتساهل تساهلا كبيرا، والطرف الثالث وسط بين الطرفين.

أما الأول: فتجد أنه يتشدد في المسائل المالية، ويفتي بالمنع في كثير منها، وأحيانا لا يكون متصورا المسألة تصورا دقيقا، فمثلا عندما يسأل عن حكم مسألة من المسائل يقول: إن كان فيها ربا فإنها تحرم وإلا فلا، والمستفتي لا يعلم هل فيها ربا أم ليس فيها ربا. كان ينبغي لهذا المفتي أن يتصور المسألة أو يقول لا أعلم.

وفي المقابل من يتساهل في مثل هذه المسائل ويبرر بضغط الواقع وهذا مسلك -يعني- خطير في الحقيقة، التبرير بالواقع هذا مسلك غير جيد؛ فإن دين الله - عز وجل - لا يخضع لأهواء الناس، ولكن دين الله سبحانه جاء ليرفع الناس إلى ميزان الحق والعدل والمصلحة الحقيقية، ويكف عنهم الإثم والظلم ويرفع الآصار والأغلال، فشريعة الله تعالى لم يضعها المجتمع حتى تخضع له وتستجيب لظروفه وأوضاعه. إنما هي تشريع إلهي وضِعَ ليرقى بالمجتمع، وتخضع أوضاعه لهدايته، ومهمة هذا التشريع هو تصويب الخطأ الواقع في المجتمع وتقويم المعوج، أما تبرير الأوضاع وتسويغ التصرفات هذا مسلك غير جيد.

فنجد مثلا -على سبيل المثال- رأي بعض العلماء الذين أفتوا بجواز الدخول في الشركات التي تتعامل بالربا إذا كانت نسبة الربا أقل من الثلث. كان أبرز ما اعتمدوا عليه التبرير بالواقع، قالوا: هذا هو واقع الشركات في العالم الإسلامي، فكيف نقول إنه يحرم الدخول فيها والمساهمة فيها؛ لأنه كان قبل سنوات لا توجد ولا شركة واحدة ما تتعامل بالربا، وإن كان ولله الحمد الآن وجد مجموعة من الشركات، لكن هؤلاء العلماء نظروا إلى هذا الواقع المرير للأمة الإسلامية؛ ولذلك أجازوا الدخول في مثل هذه الشركات.

وهذا أرى أنه مسلك غير جيد، وأنه ينبغي أن يخضع الواقع لدين الله - عز وجل - ولشرع الله سبحانه؛ وأن يقال: إنه لا يجوز الدخول في هذه الشركات ولو أن العلماء اتفقوا على هذا الرأي والله إن هذا سيكون أكبر رادع للقائمين على تلك الشركات في أن يتركوا الربا، ولا يوقعوا فيه المسلمين ويحوجوا فيه المسلمين، ولكن عندما ترد مثل هذه الفتاوى التي فيها شيء من التساهل فإن هذا الوضع يستمر؛ ولهذا نجد أن هؤلاء العلماء -يعني- من عشرات السنين وهم يفتون بهذه الفتاوى ولم يتغير شيء كثير عند هذه الشركات.

وعلى كل حال هم مجتهدون لعل - يعني- لهم .. ، لكن كلامنا الآن حول تقييم المنهج العلمي، وإلا هم مجتهدون والعالم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد فخطؤه مغفور، ولكن نحن الآن نقيم هذه المناهج.

والمنهج الثالث: هو النظر إلى القضايا والمسائل المعاصرة حسب ما يقتضيه الدليل الشرعي والقواعد الشرعية من غير تشدد ولا تساهل، فإن التشدد كما قال بعض السلف يقول:"التشدد كل يحسنه، ولكن -العلم-"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت