الصفحة 17 من 211

الرخص عن الثقات"نقلت هذه عن سفيان الثوري قال:"التشدد كل يحسنه، ولكن -العلم- الرخص عن الثقات"فإذن التشدد والتساهل كلاهما طرفان والوسط هو النظر إلى المسائل حسب ما يقتضيه الدليل الشرعي والقواعد الشرعية."

وهناك أمر مهم وهو معرفة مقاصد الشريعة فإن هذا الأمر في غاية الأهمية خاصة لمن أراد أن ينظر لمثل هذه المسائل والقضايا المعاصرة، لا بد أن يعرف مقصد الشريعة، فمثلا عندما تعرف أن مقاصد الشريعة التشديد في باب الربا وسد جميع الذرائع الموصلة إليه تنزل على هذا المسائل المعاصرة كل ما كان فيه ربا تشدد فيه، تطبيقا لهذا المقصد العظيم في الشريعة.

فإذا رأينا الشريعة تشدد في أمر من الأمور نحن نشدد فيه فيما يتعلق بالفتاوى، وإذا رأينا الشريعة تتسامح في بعض الأمور فمثلا كمسائل المعاملات التي ليس فيها ربا ولا جهالة ولا غرض ولا ميسر فالأصل الحل والإباحة، فلا بد من أن ينظر إلى مقاصد الشريعة، فهذا أيضا -يعني- أمر هو في غاية الأهمية.

فإذن المنهج الصحيح في النظر إلى هذه المسائل والقضايا والنوازل هو أن تنزل على حسب ما تقتضيه الأدلة والأصول والقواعد الشرعية من غير تشدد ومن غير تساهل.

سوف نبدأ إن شاء الله تعالى اعتبارا من الدرس القادم في دراسة المسائل التي ذكرتها، ولعلنا نبدأ إن شاء الله تعالى بما تكثر عنه الأسئلة والاستفسارات وهو: الشركات المساهمة، والأسهم وأحكامها والصناديق الاستثمارية لعلها تكون هي البداية في درسنا في الغد إن شاء الله تعالى، وهذا الدرس قد أردنا أن نجعله مدخلا لهذه السلسلة من الدروس، ونكتفي بهذا القدر، ونسأل الله - عز وجل - للجميع العلم النافع والفقه في الدين والتوفيق لما يحب ويرضى.

س: أحسن الله إليكم وأثابكم، وهذا سائل يقول: ما حكم العمل في بنوك ربوية إن لم أجد عملا غيرها، وإذا وجدت عملا غيرها بمزايا أقل، فهل يجوز العمل في البنك؟

ج: الذي يفتي به مشايخنا هو عدم جواز العمل في البنوك الربوية؛ وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -"لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه"والذي يعمل في بنك ربوي لا يخلو إما أن يكتب الربا أو يشهد على الأقل، إما أن يكون كاتبا أو شاهدا، وقد ورد الوعيد الشديد وهو اللعن، واللعن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله.

ولهذا فالمسألة فيها خطورة بالغة؛ ولهذا نقول للأخ السائل: إنه لا يجوز لك أن تعمل في هذه البنوك الربوية، وأما كونك تجد مزايا فيها لا تجدها في غيرها نقول:"من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه".

أما أنك تعمل في بنك ربوي وتعرض نفسك للعنة الله تعالى وغضبه فإن هذا لا يجوز، وأقول أيها الإخوة: إن المجتمع يفرض نفسه على هذه البنوك، إذا أن المجتمع قاطع مثل هذه البنوك الربوية وتواصل مع البنوك الإسلامية فإن هذه البنوك سوف تتحول يوما من الأيام إلى بنوك إسلامية، وهذا ما حصل بالفعل الآن، فنجد أن بعض البنوك الآن في طريقها إلى التحول إلى بنوك إسلامية، وأرى أن أقوى الأسباب في هذا هو ضغط المجتمع على هذه البنوك.

وربما تصدق مقولة بعض المشايخ حينما قال: إنه ربما بعض عشر سنوات تتحول جميع البنوك إلى بنوك إسلامية وربما أقل من ذلك.

وأنتم ترون هذه البنوك الآن بدأت تضع هيئات شرعية وفروع إسلامية وبعضها في طريقها إلى التحول بالكامل إلى بنوك إسلامية.

س: أحسن الله إليكم. وهذا يقول: ما رأي فضيلتكم في الاشتراك بما يسمى بالصناديق الاستثمارية وفتح حساب في البنك الأهلي علما بأنه يوجد لجنة شرعية؟

ج: الصناديق الاستثمارية سوف نتحدث عنها إن شاء الله تعالى غدا، ولكن باختصار باعتبار أنه ورد الآن فيها سؤال، والصناديق الاستثمارية الموجودة الآن تأخذ فتوى من أفتى من المشايخ بـ - طبعا الصناديق الاستثمارية المرادة هنا صناديق الأسهم وهي التي يريدها السائل- تأخذ فتوى من أفتى من العلماء بجواز الدخول في الشركات المساهمة إذا كانت تتعامل بالربا في حدود ثلاثين في المائة فأقل من القيمة السوقية.

وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم وسوف نعرض هذا الخلاف بالتفصيل، ونبين إن شاء الله تعالى القول الراجح فيها، فلعلي أرجئ الإجابة عن هذا السؤال إلى الحديث بالتفصيل عن هذه المسألة، وأبين القول الراجح فيها، ومقتضى الأدلة والقواعد، ومنه يتبين حكم الدخول في هذه الصناديق الاستثمارية. نعم.

س: أحسن الله إليكم وهذا يقول: من لديه أسهم في شركة"سابك"من الاكتتاب ولا يعلم أن فيها ربا فماذا يعمل لتطهير ماله مع العلم بأن الشركة وزعت لكل ثلاثة أسهم سهما، فكيف يطهر ماله القديم والأسهم الموزعة التي هي من الاحتياطي من الأرباح أرجو التفصيل في الإجابة وجزاكم الله خيرا؟

ج: نعم. الشركة المشار إليها نسبة الربا فيها كبيرة جدا تملك قرابة ثلاثة وثلاثين أو أربعة وثلاثين مليارا وليس ريالا، ولكن من دخل فيها وهو لا يعلم فإن الله تعالى يقول: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} [1] فالذي يدخل في الربا وهو لا يعلم أنه ربا فإنه لا شيء عليه: {فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} [2] ولا يُلزم بالتطهير لكونه غير عالم وهذا بنص الآية الكريمة، ومن علم فإن عليه أن يضع الربا: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) } [3] .

فيكون إذن من قبض المال وهو لا يعلم أن فيه ربا فهذا ليس عليه شيء، انتهى له ما سلف وأمره إلى الله، إذا كانت المعاملة قائمة ثم علم ولم يقبض الأرباح فهنا يضع الربا:"لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون"، إذا كان هذا الأخ السائل لا يعلم بالربا أصلا وقبض الأرباح وهو لا يعلم فليس عليه شيء. أما إذا علم قبل أن يقبض الأرباح فعليه أن يتخلص من الربا.

ويسأل الشركة -يعني- كم تكون نسبة الربا على كل سهم؟ وذلك بأن يقسم الإيراد المحرم على عدد الأسهم فتخرج النسبة المحرمة على كل سهم، وإذا لم يعلم فيحتاط في المسألة وأكثر ما قيل في الاحتياط هو ما أفتى به الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: وهو أنه يتصدق بنصف الربح بنية التخلص، هذا أكثر ما قيل، لكن -يعني- أقول بالإمكان أن يعرف مقدار الربا على كل سهم، فبإمكانه أن يسأل قسم المحاسبة في تلك الشركة وهم يفيدونه بمقدار الربا على كل سهم.

س: أحسن الله إليكم. يقول: فهمت من خلال كلامكم أن المعاملات المالية المحرمة يعود تحريمها إلى شيئين: إما إنها ربا أو إنها مفضية إلى الربا، فهل فهمي صحيح؟

ج: المعاملات المحرمة لا تنحصر في هذا فقط، المعاملات المحرمة تعود إلى أربعة أمور: إلى الربا، أو إلى الميسر، أو إلى الجهالة والغرر، أو إلى الظلم والعدوان. إلى واحد من هذه الأمور الأربعة، كما ذكر ذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي وجمع من أهل العلم.

فهي إما أن تفضي إلى الربا أو إلى الميسر أو الجهالة والغرر أو إلى الظلم والعدوان، فإن أفضت إلى واحد من هذه الأمور الأربعة فإنها تكون محرمة وإلا فالأصل الإباحة.

س: أحسن الله إليكم يقول: ما حكم شراء أسهم البنك غير الربوي علما بأن هناك من قال لا يجوز لأنه شراء مال بمال، فهل هذا الفهم صحيح؟

ج: لا بد عند شراء الأسهم من أن تكون الموجودات أكثر من النقود، وإلا إذا كانت النقود أكثر أصبح من قبيل بيع المال بمال يعني نقد بنقد؛ فيقع في الربا الصريح، فلا بد إذن أن تكون الموجودات يعني أكثر من 50 %

(1) - سورة البقرة آية: 275.

(2) - سورة البقرة آية: 275.

(3) - سورة البقرة آية: 279.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت