الصفحة 176 من 211

ثم إن السفتجة لم ينص على تحريمها وليست هي في معنى منصوص فوجب إبقاؤها على الإباحة، لا سيما أن الحاجة داعية لها خاصة مثلا في وقتنا الحاضر الآن، عليها عمل الناس، الناس الآن على هذه التحويلات التي هي في الحقيقة سفتجة، خاصة عندما يكون التحويل مثلًا خارج المملكة ربما يصعب نقل الدراهم، يصعب نقلها فيحتاج إلى تحويلها، فإذا كان تحويلها بنفس العملة فهي في الحقيقة سفتجة.

والقول بمنعها فيه حرج كبير على الناس وليس هناك دليل ظاهر على التحريم، صحيح أنه هو قول الجمهور، القول بالتحريم قول الجمهور وهو رأي المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة لكن ليست المسألة محل إجماع، ولا يلزم أن يكون رأي المذاهب الأربعة أن يكون هو الصواب. رأيت مثلًا طلاق، طلاق الثلاث بكلمة واحدة المذاهب الأربعة على أنه يقع ثلاثًا، أما القول الصحيح أنه يقع واحدة. فليست كل مسألة تتفق فيها المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة تكون هي الصواب.

وقد يكون الحق مع الأقل، ولهذا فالمذاهب الأربعة على تحريم السفتجة ولكن القول الصحيح هو أنها جائزة، وهو الذي عليه المحققون من أهل العلم وهو الذي عليه العمل، إذا يكون هذا هو القول الراجح وهو جواز السفتجة.

يبقى أن نجيب عمَّا استدل به الجمهور. نحن ذكرنا أن الأحاديث التي استدلوا بها ضعيفة بل بعضها ربما حكم عليه بالوضع، كما يروى حديث"أن السفتجات حرام"، قلنا أنه عند بعض أهل العلم موضوع. وأما قولهم أن السفتجة قرض استفاد بها المقرض سقوط خطر الطريق، وكل قرض جر نفعا فهو ربا:

أولًا: هذه المقولة: (كل قرض جر نفعا فهو ربا) لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تجدهم في بعض كتب الفقه ربما ينسب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والحقيقة لا يصح نسبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو من كلام بعض الفقهاء، وليس حديثًا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أيضًا لو سلمنا بهذه واعتبرناها قاعدة فليست على إطلاقها، إذ ما من قرض إلا ويتضمن نفعًا، ولهذا قال ابن حزم يقول: ليس في العالم سلف يعني قرضا إلا وهو يجر منفعة، وذلك انتفاع المسلف بتضمين ماله فيكون مضمونًا تلف أو لم يتلف، مع شكر المستقرض إياه، وانتفاع المستقرض بمال غيره مدة. قال: فعلى قولهم (إن كل سلف جر منفعة هو ربا) يكون كل سلف حراما وهذا فيه ما فيه.

إذًا ليست كل منفعة في القرض تكون حرامًا. إذًا ما الضابط في المنفعة المحرمة في القرض؟ الضابط في ذلك كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: الضابط في ذلك المنفعة التي يختص بها المقرض دون المقترض، أما المنفعة التي يشتركان فيها فإنها لا تكون محرمة، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: الصحيح هو الجواز لأن كل من المقرض والمقترض منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عمَّا ينفعهم ويصلحهم، إنما ينهى عما يضرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت