فهرس الكتاب
القول الثالث فيه تفصيل، فيحرم التأمين التجاري ويجوز التأمين التعاوني، وهذا القول هو قول أكثر العلماء المعاصرين، وقد اتفق على هذا القول المجامع الفقهية: مجمع الرابطة؛ المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وكذلك أيضا مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهيئة كبار العلماء، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، كلها متفقة على هذا الرأي، والتفريق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني، فيحرم التأمين التجاري ويجوز التأمين التعاوني.
ونأتي الأدلة، نبدأ بأدلة تحريم التأمين التجاري، نبدأ بالقول الثالث فنقول: التأمين التجاري محرَّم؛ وذلك لِما يأتي:
أولا: اشتماله على الغرر الفاحش، فهو من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر، فالمستأمِن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد ما له وما عليه، ومقدار ما يأخذ ويعطي، فقد يدفع قسطا أو قسطين ثم يحصل له الحادث، فيأخذ أكثر مما دفع، وقد لا يحصل له حادث أصلا فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئا.
وكذلك أيضا بالنسبة للمؤمِّن، لا يعرف ما له وما عليه، فقد يربح كثيرا في علاقته مع هذا المستأمِن، وقد يخسر، ولا شك أن الغرر فيه ظاهر، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر كما في صحيح مسلم.
أيضا من أدلة تحريم التأمين التجاري أنه من ضروب المقامرة؛ لِما فيه من المخاطرة في المعاوضات المالية، فإن المستأمِن قد يدفع قسطا من التأمين ثم يقع الحادث فيغرم له المؤمِّن كل مبلغ التأمين، وقد لا يقع الخطر فيغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل، وهذا من ضروب المقامرة.
ثالثا:- أن عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنسيئة؛ لأن المؤمن من الشركة ونحوها إذا دفعت للمستأمن أكثر مما دفعه لها من النقود فيكون ربا فضل؛ لأنه مال بمال مع التفاضل، وهذا الدفع إنما يحصل بعد مدة من العقد، فيكون ربا نسيئة، وإذا قُدِّر أن الشركة دفعت لهذا المستأمن مثلما دفع من غير زيادة ولا نقصان فيكون فيه ربا نسيئة فقط.
أيضا مما اشتمل عليه هذا العقد من المحاذير أنه من الرهان المحرم، أن عقد التأمين التجاري من الرهان المحرم؛ لأن فيه جهالة وغرر ومقامرة، ومعلوم أن الشرع لم يبح من الرهان إلا ما كان فيه نصرة لإعلام الإسلام وأدلته وبرهانيه. كما مر معنا هذا في درس سابق.
وكذلك أيضا إذا كان في الإبل والخيل والسهام،"لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر".