فهرس الكتاب
قالوا: فكذلك التأمين فيه مصلحة كبيرة، والدليل على ذلك اتفاق جميع دول العالم على الأخذ بهذا النظام، مما يدل على أن جميع العقلاء يرون أن فيه مصلحة.
وأجيب عن هذا بأن هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأن مصالح الشرع على ثلاثة أقسام: قسم شهد الشرع باعتباره، فهو حجة. وقسم سكت عنه الشرع فلم يشهد له باعتبار ولا بإلغاء، فهو مصلحة مرسلة، وهو محل اجتهاد. والقسم الثالث ما شهد الشرع بإلغائه.
وعقود التأمين فيها محاذير شرعية ذكرت في أدلة القول الأول، فتكون من القسم الثالث، تكون مما شهد الشرع بإلغائه؛ لغلبة جانب المفسدة على جانب المصلحة.
الدليل الثاني من أدلة القائلين بالجواز: قياس نظام التأمين التجاري على العاقلة، وقالوا: العاقلة ضرب من ضروب التأمين. إذا كانت العاقلة تجوز فالتأمين مطلقا يجوز ولا نخصه بالتأمين التعاوني.
وأجيب عن هذا الاستدلال بأن هذا القياس قياس مع الفارق؛ لأن الأصل في تحمل العاقلة للدية لما يكون بين أفراد العاقلة من الرَّحِم والقرابة التي تدعو إلى النصرة والتواصل والتعاون وبَذْل المعروف، ولو بدون مقابل، فهي إذن مبنية على التكافل والتعاون بين أفراد العاقلة، وليست مبنية على الربحية والمعاوضة، بينما عقود التأمين عقود تجارية استغلالية تقوم على معاوضات مالية محضة، ولا تمت إلى عاطفة الإحسان وبواعث الرحمة والمعروف بصلة.
فرق كبير بين العاقلة وبين عقود التأمين التجارية؛ وبهذا لا يستقيم هذا الاستدلال.
أيضا من أبرز أدلة القائلين بالجواز قياس عقود التأمين التجاري على نظام التقاعد، قالوا: فإذا منعتم التأمين التجاري تقولون إذن بتحريم التقاعد، تقولون بتحريم معاشات التقاعد؛ لأن التقاعد ضرب من ضروب التأمين، فإنه يؤخذ من الموظف كل شهر قسط ثم يسلم له بعد تقاعده، وقد يحصل على أكثر مما بذل، وقد يحصل على أقل، قالوا في نظام التقاعد: هو من ضروب التأمين، فيلزمكم أنتم إذا قلتم - يعني أيها الجمهور - إذا قلتم بتحريم التأمين التجاري أن تقولوا أيضا بتحريم نظام التقاعد.
ولكن هذا الاستدلال أيضا محل نظر؛ لأن هذا القياس قياس مع الفارق؛ لأن ما يعطى الموظف بعد التقاعد حق التزم به ولي الأمر، باعتباره مسئولا عن رعيته، وراعى في صرفه ما قام به الموظف من عمل وخدمة، ووضع فيه نظاما راعى فيه مصلحة أقرب الناس للموظف أيضا، ونظر فيه إلى مظِنة الحاجة.
وثم أيضا إن التقاعد تتبرع الدولة بنصف المبلغ، يعني يستقطع من الموظف نصف المبلغ، والدولة تتبرع بنصف المبلغ الآخر، فليست معاوضة مالية محضة، وإنما هو حق التزمت به الدولة تجاه موظفيها.