فهرس الكتاب
وهذا بخلاف التأمين التجاري الذي يقوم على المعاوضة المحضة، وتريد أو تقصد منه الشركات الحصولَ على الأرباح والكَسْب، ففرق بينهما، ولذلك لا يصح مثل هذا القياس.
ثم إن الموظف إذا أراد تصفية حقوقه قبل بلوغه سن التقاعد، تصفى له كامل حقوقه، ويعطى ما اقتطع منه، ولكنه إذا بقي إلى انتهاء المدة النظامية، فإنه يعطى ما اقتطع منه وتبرع أيضا من الدولة لهذا الموظف، وإذا توفي فيصرف لورثته بطريقة روعي فيها مسألة احتياج الورثة، فإذن قياس التأمين التجاري على نظام التقاعد قياس مع الفارق.
أيضا من أدلة القائلين بالجواز قياس عقود التأمين التجاري على عقود الحراسة، قالوا: فكما أنك إذا استأجرت لك حارسا يحرس البيت أو الطريق، فإنك تعطيه مالا مقابل الأمان، فإن هذا الحارس إنما فقط استفدت منه الأمان، هكذا أيضا في عقود التأمين التجاري تستفيد ببذل هذا المال الذي تدفعه للشركة الأمان، عندما يحصل لك حادث ونحوه. فإذا جاز بذل المال على عقود الحراسة لأجل الأمان فيجوز بذل المال لشركات التأمين لأجل الأمان.
ولكن هذا القياس أيضا قياس مع الفارق؛ فإن الأمان ليس محلا للعقد في المسألتين، وإنما محله في التأمين الأقساط. ومبلغ التأمين ومحله في الحراسة الأجرة وعمل الحارس، هذا هو محل العقد: الأجرة وعمل الحارس، وأما الأمان فليس محلا للعقد، وإنما هو غاية ونتيجة، ولو قلنا: إن الأمان هو محل العقد لما استحق الحارس الأجرة عند ضياع المحروس، والواقع أن الحارس يستحق الأجرة مطلقا، وهذا يدل على أن الأمان ليس هو محل العقد في المسألتين جميعا؛ في مسألة التأمين ليس محل العقد وإنما محله الأقساط ومبلغ التأمين، وفي مسألة الحراسة أيضا محل العقد ليس هو الأمان وإنما هو الأجرة وعمل الحارس.
هذه هي أبرز أدلة من قال بالجواز، وكما ترون أدلة لا تستقيم، وهذه الأدلة كلها ذكرها الشيخ مصطفى الزرقا في كتابه التأمين وتناقلها من بعده ممن قال بالجواز.
وبهذا يتبين القول الراجح في هذه المسألة والله أعلم، وما عليه جمهور العلماء المعاصرين، وهو التفريق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني، يكون التأمين التجاري محرما والتأمين التعاوني جائزا.
والتأمين التعاوني من أبرز صوره ما يسمى بصناديق الأسر والعوائد، فيوضع مثلا صندوق لأسرة من الأسر ... وقام أراد يتبرع لهذا الصندوق بقسط شهري أو سنوي، وإذا حصل لأي واحد من أفراد الأسرة حادث أو مثلا حاجة ملحة أو نحو ذلك أخذ منه. هذا يعتبر من صور التأمين التعاوني، ولا بأس به.