الصفحة 30 من 211

تتعامل في جملتها بالربا، والذي لا يتعامل بالربا منها قليل جدا، إن لم يكن نادرا بالنسبة لمجموع الشركات، فنظروا هذه النظرة فقالوا: إن عموم البلوى يقتضي هو أن نقول بجواز الدخول فيها مع وجوب التخلص من نسبة الربا، بعد الحصول على الأرباح، هذه إذًا هي عمدة ما استدل به أصحاب هذا القول.

دليلهم الأول الاستدلال ببعض القواعد الفقهية: للأكثر حكم الكل، يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا، إلى آخره. دليلهم الثاني: التبرير بالواقع وحاجة الأمة إلى هذه الشركات.

وأما أصحاب القول الثاني: القائلون بأنه لا يجوز الدخول في مثل هذه الشركات مطلقا فقالوا: إن المساهم يعتبر أحد ملاك هذه الشركة ودخوله في هذه الشركة يتضمن في الحقيقة مالا وعملا، فجميع أعمال الشركة تنسب إليه، لأن السهم في الحقيقة يمثل جزءا مشاعا من الشركة فالمساهم أحد ملاك هذه الشركة، فتنسب إليه جميع أعمال الشركة ومنها الإقراض أو الاقتراض بالربا، فيكون هذا المساهم قد تعامل بالربا بالوكالة، هو صحيح أنه لم يتعامل بالربا مباشرة لكنه تعامل بالربا بالوكالة، بأن وكل من يقوم عنه بجميع أعمال الشركة وهو مجلس الإدارة ومن ذلك الإقراض والاقتراض بالربا.

هذا هو ما استند إليه أصحاب هذا القول، فقالوا: إن جميع أعمال الشركة تنسب للمساهمين ومنها التعاملات الربوية، فتنسب إليك أنت أيها المساهم هذه التعاملات الربوية شئت أم أبيت، قالوا: ونجد أن الشريعة قد شددت في شأن الربا"فلعن النبي - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه"قالوا فإذا كان كاتب الربا وشاهد الربا ملعون فكيف بمن يتعامل بالربا بطريق الوكالة.

إذًا هذه وجهة أصحاب هذا القول، وعند الموازنة بين هذه الأدلة نجد أن أدلة القول الأول الحقيقة يمكن أن تناقش، فاستدلالهم بالقواعد التي ذكرها الفقهاء من أن للأكثر حكم الكل، وأنه إذا اختلط المال الحلال بالحرام وكان الحرام حراما لكسبه لم يحرم الجميع، وأنه يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا. إلى غير ذلك مما ذكره الفقهاء من قواعد، هذه القواعد لا تنطبق على هذه المسألة في الحقيقة، لماذا؟ لأن هذه القواعد إنما تنطبق على ما إذا اختلط المال الحلال بالمال الحرام، بينما الشركات المساهمة تتضمن مالا وعملا ليس فقط مالا، مالا وعملا، ولئن اغتفرنا في مسألة المال فتبقي مسألة العمل، فأنت عندما تساهم في شركة من الشركات هناك مال وعمل منسوبان لك، المال قد بذلته والعمل منسوب لك أيضا، لكن بالوكالة وهو يقوم به مجلس الإدارة، فأنت ينسب لك مال وعمل، فلئن أخذنا بهذه القواعد وقلنا إنه يغتفر في القليل بالنسبة للمال فتبقي عندنا الإشكالية بالنسبة للعمل، فإذًا هذه القواعد إنما تنطبق على اختلاط مال حلال بمال حرام فقط، أما الشركات المساهمة لا تنطبق عليها هذه القواعد؛ لأنها تتضمن مالا وعملا، تنطبق هذه الشركات على إنسان اختلطت أمواله فيها حلال وحرام، فيجوز أن تبيع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت