الصفحة 33 من 211

وأعظم من شرب الخمر وهو من أكبر الكبائر ومحرم في جميع الأديان السماوية قليله وكثيره، وقد جاء في السنن عند أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد بسند حسن أو صحيح عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -"سئل عن بيع الرطب بالتمر وقال عليه الصلاة والسلام: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذًا"بيع الرطب بالتمر يعني مع التقابض ومع التماثل بالكيل أو الوزن مع ذلك لا يجوز، يعني لو أردت أن تبيع كيلو تمر بكيلو رطب مع التقابض لا يجوز، مع أنه تحقق الشرطان التقابض والتماثل هذا كيلو وهذا كيلو ومع ذلك لا يجوز، لماذا؟ لأن هذا الرطب سوف ينقص إذا يبس، فهو تفاوت يسير بل يسير جدا، ومع ذلك منع منه النبي - صلى الله عليه وسلم - فما الذي يبيح الدخول في الشركات تصل نسبة القروض الربوية فيها إلى ثلاثين في المائة، إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - منع من بيع الرطب بالتمر مع أن التفاوت يسير جدا فما الذي يبيح الدخول في شركات تتعامل بالربا إلى نسبة ثلاثين بالمائة، بل تصل القروض إلى ملايين أحيانا، بل وصل في إحدى الشركات الكبيرة إلى مليارات، وصلت القروض الربوية إلى مليارات.

ثم إننا إذا نظرنا إلى مقاصد الشريعة نجد أن من مقاصد الشريعة تضييق المسالك الفضية للربا وسد جميع الذرائع المفضية للربا، ولذلك يحرم بيع العينة حتى لو حصل من غير مواطأة، العينة معناها أن يبيع شخص سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها بأقل منه نقدا، لو حصل هذا من غير مواطأة، نقول: حرام. لماذا؟ سدا للذريعة.

وأيضا يحرم بيعتان في بيعة، والصحيح أنه هو بيع العينة، وسلف وبيع والقرض الذي جر نفعا، كل هذا سدا لذريعة الربا.

وإذا كان الفقهاء يمنعون من الإسهام في المعصية بطريق غير مباشر فيمنعون من بيع السلاح وقت الفتنة، ويمنعون من بيع العنب لمن يتخذه خمرا ونحو ذلك؛ فلأن يقال بمنع الإسهام في المعصية بطريق مباشر من باب أولى.

فيمنع من الإسهام في الشركات المساهمة المشهورة بالربا؛ لأنها في الحقيقة قد تجرأت على هذا الأمر العظيم وهو الربا، وقد استخفت بأوامر الله ورسوله ومستمرة على هذا العمل، ولذلك فإذا أشيع مثل هذا القول بأنه لا يجوز الدخول في هذه الشركات فإن هذا سيكون أكبر رادع هذه الشركات لكي لا تتعامل بالربا.

ولهذا نقول: إن القول الصحيح في هذه المسألة هو أنه يحرم الدخول في جميع الشركات التي تتعامل بالربا ولو بنسبة واحد بالمائة.

وكما ذكرت في بداية هذا الدرس قد كان في السابق لا يكاد يوجد ولا شركة واحدة لا تتعامل بالربا، وهذا الذي دفع أصحاب القول الأول لأن يقولوا بالجواز؛ لأنهم قالوا: إن هذا الواقع المرير للأمة الإسلامية يجعلنا نعيد النظر ونجتهد ونقول بجواز الدخول في هذه الشركات مع وجوب التخلص من نسبة الربا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت