الصفحة 48 من 211

المجمع الفقهي التابع للرابطة برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله أصدر في هذه المسألة قرارا في الدورة الرابعة عشرة، قرر المجمع أنه لا يجوز في المضاربة أن يحدد المضارب لرب المال مقدارا معينا من المال؛ لأن هذا يتنافى مع حقيقة المضاربة، ولأنه يجعلها قرضا بفائدة، ولأن الربح قد لا يزيد عما جعل لرب المال فيستأثر به كله، يعني مثلا لو قال لك: أربعة آلاف قد تكون الأرباح هي كلها أربعة آلاف، وحينئذ يستأثر بالربح كله، وقد تخسر المضاربة أو يكون الربح أقل مما جعل لرب المال فيغرم المضارب.

قالوا: والفرق الجوهري الذي يفصل بين المضاربة والقرض بفائدة الذي تمارسه البنوك الربوية: هو أن المال في يد المضارب أمانة لا يضمنه إلا إذا تعدى أو قصر، يعني فلا تضمن الخسارة، والربح يقسم بنسبة شائعة متفق عليها بين المضارب ورب المال، وقد أجمع الأئمة الأعلام على أن من شروط صحة المضاربة أن يكون الربح مشاعا بين رب المال والمضارب دون تحديد قدر معين لأحدهما، هذا ما يتعلق بهذه المسالة.

فإذا يجب ألا يحدد مقدار ربح، ويجب أن تكون تجارة مبنية على الربح والخسارة، تكون قابلة للربح والخسارة، فلا تضمن عدم الخسارة، ولا يضمن الربح، وأن يكون الربح مشاعا.

الخسارة من الذي يتحملها؟ الخسارة يتحملها رب المال، وأما المضارب الذي هو العامل لا يتحمل الخسارة. ففي مثالنا السابق هذا الشخص أعطيته خمسين ألفا وقلت له: تاجر بها ضارب بها والربح بيننا أنصاف لك خمسون في المائة ولي خمسون في المائة. لنفترض أن هذا المضارب خسر، فهل يتحمل شيئا من الخسارة؟ نقول: لا يتحمل؛ هو في الحقيقة خسر جهده، فلا يتحمل شيئا من الخسارة، الخسارة كلها عليك أنت رب المال.

قد نص على هذا الفقهاء رحمهم الله، بل ذكروا أنهم حتى لو شرط عليه، لو شرط رب المال على المضارب عدم الخسارة، فإن هذا الشرط غير صحيح، لو قال: أنا أعطيك خمسين ألفا لكن أشترط أن الخسارة عليك، وليست علي، هذا شرط غير صحيح، حتى لو قبل المضارب، واختلف العلماء، هل هذا الشرط يبطل العقد أو لا يبطله؟ الجمهور على أنه لا يبطله، والشافعية ذهبوا إلى أنه يبطله، والأظهر هو قول الجمهور في هذه المسألة.

فإذا الخسارة يتحملها رب المال ولا يتحملها المضارب حتى لو شرط ذلك عليه، وبهذا أيضا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي أنه قد قرر: بأن الخسارة في مال المضاربة على رب المال في ماله، ولا يسأل عنها المضارب إلا إذا تعدى على المال أو قصر في حفظه، نعم، إذا تعدى أو فرط فهنا يتحمل المضارب الخسارة بسبب تعديه أو تفريطه لكن إذا لم يتعد ولم يفرط، فالخسارة إنما يتحملها رب المال؛ لأن مال المضاربة مملوك لصاحبه، والمضارب أمين عليه ما دام في يده وهو وكيل في التصرف فيه، والوكيل والأمين لا يضمنان إلا في حالة التعدي والتقصير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت