فلم نجد يوما من الأيام أن العلماء لم يجدوا حكما لقضية من القضايا، بل شملت جميع جوانب الحياة، وقد أكمل الله تعالى هذا الدين وأتم نعمه، قال أبو ذر - رضي الله عنه -"ما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطائر يطير بجناحيه إلا وذكر لنا منه علما".
أقول أيها الإخوة: ومع هذا التطور والتقدم ووجود معاملات حديثة لا بد للمسلم من التفقه فيها، خاصة من يتعامل بالبيع والشراء، أو يعمل في التجارة ومن يحتاج إلى تلك التعاملات، على أن أكثر الناس -إن لم يكن جميع الناس- لا يخلو من نوع احتياج إلى تلك التعاملات الحديثة، فمثلا: بطاقات الصرف الآلي أصبح جلّ أو جميع الناس يحملونها، فإذن جل الناس أو جميع الناس يحتاجون إلى معرفة هذه المسائل والتفقه فيها. لكن ذلك يتأكد على من يتعامل بالتجارة والبيع والشراء.
وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يقيم من الأسواق من ليس بفقيه، والمراد هنا بالفقه الفقه النسبي يعني الفقه في مسائل الحلال والحرام، وليس معني ذلك أن يكون -يعني- فقيها في جميع أمور الدين ولكن المقصود أن يكون فقيها فيما يتعامل فيه-، وروى عنه أنه كان يقول:"لا يقعد في أسواق المسلمين من لا يعرف الربا".
وقد أمر الإمام مالك بأن يقام من الأسواق من لا يعرف الأحكام؛ لئلا يقع في الربا ويوقع فيه المسلمين. يقول الرهوني في كتابه"أوضح المسالك"نقلا عن أحد شيوخه: أنه أدرك المحتسب يمشي على الأسواق ويقف على كل دكان، فيسأل صاحبه عن الأحكام التي تلزمه في بيعه، ومن أين يدخل عليه الربا، وكيف يتحرز منه، فإن أجابه أبقاه في الدكان، وإن جهل شيئا من ذلك أقامه منه وقال: لا يمكنك أن تقعد في أسواق المسلمين تطعم الناس الربا ومالا يجوز.
والدخول في التجارة من غير معرفة الأحكام الشرعية فيه خطر عظيم على دين المسلم، وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال:"يا معشر التجار. فاستجابوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ورفعوا أعناقهم إليه، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى وبر وصدق"هذا الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم وقال صحيح الإسناد.
وقال عليه الصلاة والسلام:"إن التجار هم الفجار. فقالوا: يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟ قال: بلى، ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون"رواه أحمد والحاكم، قال المنذري إسناده جيد.
وفي حديث بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة"رواه ابن ماجه وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري عند الترمذي.