وعن قيس بن أبي غرزة - رضي الله عنه - قال:"كنا في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - نسمى السماسرة فمر بنا يوم بالمدينة فسمانا باسم هو أحسن منه، فقال: يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف - وفي رواية"والكذب"- فشوبوه بالصدقة"أخرجه أبو داوود.
وفي رواية للترمذي:"إن الشيطان والإثم يحضران البيع، فشوبوا بيعكم بالصدقة"وإسناده صحيح.
وقد اعتنى فقهاؤنا رحمهم الله بأبواب المعاملات، وأصلّوا هذه الأبواب، وذكروا فيها قواعد جامعة، يستطيع الإنسان ويستطيع طالب العلم الانطلاق منها، حتى إن فقهاءنا ذكروا معاملات لم تقع، حتى إذا وقعت يكون طالب العلم على معرفة وعلى علم بها؛ ولذلك لا تجد كتاب فقه إلا وفيه قسم مخصص لأبواب المعاملات.
وأجود المذاهب في المعاملات هو مذهب المالكية والحنابلة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره، فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال: هو أفقه الناس في البيوع، كما كان يقال:"عطاء أفقه الناس في المناسك، وإبراهيم النخعي أفقههم في الصلاة، والحسن أجمعهم لذلك كله"، قال ولهذا وافق أحمد كل واحد من التابعين في أغلب ما فَضُل فيه لمن استقرأ ذلك من أجوبته، والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب، فإنهما - يعني الإمام مالك والإمام أحمد - يحرمان الربا ويشددان فيه غاية التشديد؛ لشدة تحريمه وعظيم مفسدته، ويمنعان من الاحتيال عليه بكل طريق حتى يمنعا الذريعة المفضية إليه وإن لم تكن حيلة، وإن كان مالك يبالغ في سد الذرائع ما لا يختلف قول أحمد فيه.
فإذن أجود المذاهب الأربعة في أبواب المعاملات هو مذهب مالك وأحمد - رحمهما الله تعالى.
أيها الإخوة: هذه المعاملات المعاصرة التي يتعامل بها الناس اليوم قد أصبح التعامل بها منتشر في كثير من أقطار الأرض، فالعالم الآن كما يقال أصبح كالقرية الواحدة وارتبط بعضه ببعض، ونشأ ما يسمي بالاقتصاد العالمي، ولهذا يستطيع الإنسان أن يحول أي مبلغ، أن يحول مبلغا ماليا لأي دولة في العالم، وذلك بسبب ارتباط هذا الاقتصاد بعضه ببعض.
وهذا الاقتصاد قد ارتبطت به البنوك، والإشكالية الكبيرة هنا، هو أن نظرة الإسلام لبعض العقود المالية تختلف اختلافا جذريا عن نظرة هذا الاقتصاد العالمي الذي قد ارتبطت به البنوك به، تختلف من الجذور في الأصل؛ ولذلك لا تعجب عندما يفتي بعض مشايخنا بمنع كثير من التعاملات البنكية، مع أن الأصل في باب المعاملات الحل والإباحة، وذلك بسبب أن هذه البنوك وما يسمى بالاقتصاد العالمي تختلف - في نظرتها - من الجذور، عن نظرة الإسلام، وأضرب لهذا مثالين: