فهرس الكتاب
وهذه القصة لم تثبت, أخرجها ابن إسحاق مُعْضَلَة, وكل من ذكرها كابن هشام وابن كثير اعتمدوا على رواية ابن إسحاق, فهي غير صحيحة, مع أن قصة جوار أبي بكر مع ابن الدغِنّة ثابتةٌ في (البخاري) وغيره. فكان الأولى بهم -لو أنهم يهتمون بنظافة الأسانيد- أن يستدلوا بما صحّ, لا بما هو ساقط السند. وهذه ثمرة قولهم:"ليس هذا زمان: حدثنا وأخبرنا, ولا نشتغل بقول من قال: حديث صحيح أو ضعيف, فإن هذا تضييع وقت".
ونأتي إلى مناقشة هذا الاستدلال, وادعاء أن هذا أخذ بنظام جاهلي, فنقول:
هذا الاستدلال على جواز أخذ نظام"الانتخابات"وغيره مردود من وجوه:
الوجه الأول:
هذه القصة على فرض صحتها, لا تنطبق على مسألة"الانتخابات", لا من قريب ولا من بعيد, فما هي علاقة قضية"الانتخابات"بجوار النبي( عند مطعم بن عدي؟ ألسنا نحن في بيوتنا؟. لسنا مشرّدين بحمدالله, ولا مطارَدين, فالنبي( كان مطارَدًا, بخلافنا.
هذا الاستدلال في غير موضعه, ولا صلة له بالموضوع الذي نحن فيه, وما أكثر الفساد في الدين إذا كان الفقه هكذا...!
الوجه الثاني:
على سبيل الافتراض جدلًا أن قضية الجوار المذكورة يستدل بها على جواز الدخول في"الانتخابات", فهنا سؤال, وهو:
هل حصل أن الرسول( تنازل عن شيء من الحق حين آواه مطعم بن عدي إلى جواره؟ أو ارتكب شيئًا من المفاسد السابقة؟.
الجواب: لا. فإذا كان النبي( ما تنازل عن شيء من الحق. -هذا على فرض صحة القصة- فهل حصل من الذين دخلوا في"الانتخابات"تنازل عن حق أم لا؟.
الجواب: نعم. فقد تنازلوا عن أحكام كثيرة شرعها الله عز وجل, حرصًا على الوصول إلى مآربهم, وارتكبوا في سبيل ذلك كثيرًا من المفاسد, كما سبق بيانها مفصلًا.
الوجه الثالث:
قولهم:"إنّ لنا أن نأخذ من أنظمة الكفر ما كان صحيحًا".
قلت: كلمة"صحيحًا"غير صحيحة, وأين الصحة من نظام"الانتخابات"الذي أخذتم به؟!.