الصفحة 145 من 176

وفي (الصحيحين) من حديث أسامة أنه قال:"تبعت ومعي رجل من الأنصار رجلًا من المشركين, فلما وجد أننا سنقتله قال:"لا إله إلا الله"فتأخر صاحبي, وضربته حتى برد, أي: مات, فسألت رسول الله (, فقال:(( أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ ) ), قلت: يا رسول الله, إنما كان متعوِّذًا, فقال: (( أشققت على قلبه؟ فكيف تصنع بـ"لا إله إلا الله"إذا جاءت يوم القيامة؟ ) ). قال: فلم يزل يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ".

انظر: فهذا أسامة ما أراد إلا نصرة الإسلام, وهل أراد بذلك شرًا؟ بلا شك: لا, لكن الرسول( لامه على فعله, ولم يعذره بحسن قصده.

ولأهمية هذا القصد ألّف العلماء الكتب الكثيرة في التحذير من البدع وأهلها.

والبدعة هي: التعبُّد لله بما لم يشرعه, ولا شرعه نبيه(, وارجع إلى كتاب:"الاعتصام"للشاطبي, فقد أجاد وأفاد رحمه الله في الكلام على خطورة البدع, وبيّن أقسامها وشُعَبَها.

ولو فُتِح المجال لأصحابِ هذا القول:"أنا نيتي طيبة, ومقصدي حسن". لأدى إلى أن يقتل القاتل, ويقول: أنا نيتي طيبة, ويشرب الخمرَ الشاربُ, ويقول: أنا نيتي طيبة.

وهذا عمل قلبي ليس لنا قدرة على إثباته ولا نفيه إلا بدليل خارجي.

فالله عز وجل قد أرشدنا إلى الأخذ بظاهر الأمور, وهو يتولى السرائر, ولهذا قال عمر كما في"البخاري"وغيره:"إن الوحي قد انقطع, وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم, فمن أظهر لنا خيرًا؛ أمناه, وقربناه, وليس إلينا من سريرته شيء, الله يحاسبه على سريرته, ومن أظهر لنا سوءًا؛ لم نأمنه, ولم نصدقه, وإن قال: إنّ سريرته حسنة".

فليس عندنا استعداد أن نقبل من يدعي صلاح قلبه, وعندنا أدلة واضحة على أن صلاح الظاهر دليل على صلاح الباطن, وفساد الظاهر دليل على فساد الباطن. قال (:(( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه, وإذا فسدت فسد الجسد كله ) )متفق عليه من حديث النعمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت