وتظهر التجزئة لأنهم حصروا الحكم بشريعة الله على حد زعمهم بإقامة الحدود على السُرّاق والزناة والسكارى، ويا ليت هذا حاصل, ولكنه لم يحصل, لأنهم تركوا إقامة ما هو أهم من ذلك، من إصلاح عقائد الناس, فإن الناس يذهبون إلى المشعوذين والسحرة ويتعلقون بهم، ويقعون في أنواع الشرك الأكبر من الدعاء والذبح والنذر والاستغاثة والتمسح بأتربة الموتى، وتركت الأحزاب الإسلامية المشعوذين والسحرة يعلنون الدعوة إلى الشركيات, ولم يمنعوهم، ولم ينصحوهم على الأقل، بل جعلوا هذه الشركيات أمورًا فرعية ومن القشور، بل يوجد في الأحزاب الإسلامية من أعضائها, بل ومن كبارها وغيرهم من يمارس الشركيات، وإقامة الموالد التي تقوم على البدع، بل والدعوة إلى عبادة القبور, أو على الأقل التهوين من أمر ذلك، ولا ينكر عليهم باعتبار أن هذه قشور.
3-حصل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دُعي إلى أن يكون ملكًا له الحكم المطلق, بشرط أن يتخلى عن دعوته إلى التوحيد، لأنه كان في مكة لا يدعو إلا إلى التوحيد، فقد جاء عند ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبي يعلى والبيهقي في (الدلائل) وأبي نعيم في (الدلائل) أن الوليد بن المغيرة عرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الملك فقال: (إن أردت ملكًا ملّكناك ...) والحديث ثابت بمجموع طرقه.
وهذا واقعه - صلى الله عليه وسلم - , الذي يدلّ أنه لم يستجب لهم، فهذا مما يقوي قبول هذه الرواية، ونفهم من هذا جليًا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتنع عن الموافقة لهم, لأنه يعلم أن هذه الطريقة غير نافعة ولا مجدية، فلو كانت طريقة مثلى؛ لسلكها, وما تأخر عنها لحظة، فهو أعلم الخلق بما يصلح الخلق. فما عمله الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو عين الحق والصواب.