وقد روى البخاري رحمه الله في (صحيحه) والنسائي في (سننه) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة, فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة ) )وفي هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة، حيث إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن شيء لم يكن واقعًا, ثم وقع كما أخبر - صلى الله عليه وسلم - ، وقوله: (( إنكم ستحرصون ) )خطاب لنا جميعًا, ولا يخرج عن ذلك إلا من عافاه الله، وقوله: (( وستكون ندامة يوم القيامة ) )فالمسلم لا ينظر إلى الوظيفة وكفى, وإنما ينظر إلى ما سيلاقي يوم لقاء الله، وهذا الفهم السليم هو الذي جعل كثيرا من المسلمين يخافون القرب من الوظائف, وإن تولوها فعن حذر شديد وانتباه كبير، وقوله: (( فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة ) )قال الحافظ في (الفتح) :"قال الداودي: أي في الدنيا, وبئست الفاطمة أي بعد الموت, لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك". فيا ويله يوم أن يُقال: { ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه } الحاقة.
فهذا الحديث يبين لنا أن الحرص على الإمارة سواء كانت كبيرة أو صغيرة داهية من الدواهي على صاحبها, والله المستعان.
وقد جاء في (صحيح مسلم) أن أبا ذر قال: يا رسول الله, ألا تستعملني؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: (( يا أبا ذر, إنك رجل ضعيف, وإنها أمانة, وإنها يوم القيامة خزي وندامة, إلا من أخذها بحقها, وأدى الذي عليه فيها ) ). وعند مسلم وأبي داود والنسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا, وإني أحب لك ما أحب لنفسي, لا تتأمرن على اثنين, ولا تتولين مال يتيم ) ).
فتأمل هذه المواقف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع مجموعة من أصحابه, وهم أهل بر وتقى وصلاح وعلم وزهد وورع، ومع هذا كله فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يمنعهم من الوصول إلى الإمارة أيًا كان نوعها.