ويتضح لنا هنا أمران:
الأول: أن بعض علماء الحزبية لم يقوموا بإرشاد المرشحين, حتى يكونوا على حذر.
الثاني: أن الذي يترشّح, هو الذي دفع نفسه إلى هذا العمل المحرم.
واستفدنا من هذه الأحاديث أن الأصل في الولاية أنها لا تعطى لمن طلبها, وتحرم عليه، وتحرم على من كان يبحث عن ولاية أن يعطاها, وقد استثنى بعض العلماء من ذلك مسألة, وقالوا: إذا طلبها وهو كفء, ولا يوجد من يقوم بها, فهنا يجوز له ذلك، واستدلوا على ذلك بقول يوسف عليه السلام: { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } يوسف. وهذا الاستثناء غير صحيح.
فهذا نبي معصوم، وهذا لا يوجد أصلًا فينا، وكذلك هذا في شرع من قبلنا، وإذا جاء في شرعنا ما يخالف شرع من قبلنا, فالأخذ بشرعنا متحتم.
وشرعُنا قد حذّر من سؤال الإمارة فدل هذا على عدم الاحتجاج بما فعله يوسف عليه السلام، بعد أن قال له الملك: { إنك اليوم لدينا مكين أمين } يوسف. فعند ذلك قال: { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } فمن يستطيع أن يكون كيوسف عليه السلام؟ وأهم من هذا كله؛ أن يوسف دخل في الولاية ليحكم كما أراه الله, لا بحكم الملك, أما عضو مجلس النواب فقد دخل من أجل أن يحكم بالقانون, فافترقا, فبطل الاستدلال بفعل يوسف عليه السلام.
والذي أقول به: إنه ينبغي البحث عن دليل لهذه القضية من شرعنا, لما سمعت من التشديد من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأما ما جاء عند أبي داود والبيهقي من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من طلب قضاء المسلمين حتى يناله, فغلب عدله جوره, دخل الجنة، ومن غلب جوره عدله, دخل النار ) )فهو ضعيف, لأنه من طريق موسى بن نجدة, وهو مجهول، ومعناه منكر لمخالفته للأحاديث العامة, وأما قولهم: تأمّر خالد في غزوة مؤتة, بدون أن يؤمّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فهذه ضرورة اقتضتها الظروف.