فإذا أمر الله بأخذ الشهادة من العدل في قضية امرأة, فما بالك بمسألة تتعلق بالأمة كلها، وهي الولاية على أمور المسلمين، وقوله: { ممن ترضون من الشهداء } هي مثل الأولى، فأسند سبحانه الرضى إلى أهل الصلاح والخبرة والمعرفة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - للصحابة عند أن مُرّ بجنازة, فأثنوا عليها خيرًا, ومُرّ بجنازة أخرى, فأثنوا عليها شرًا: (( أنتم شهداء الله في أرضه ) )والحديث في (الصحيحين) من حديث أنس ومن حديث عمر, وبعض العلماء خصّص هذا الحديث بالصحابة، وذلك لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة، والصحيح أنه ليس خاصًا بالصحابة، بل يشمل كل من كان فيه الخيرية التي اتصف بها الصحابة، ولهذا قال الحافظ:"هذا خاص بالثقات المتقنين". وقال الداودي:"المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق".
وإذا كان يشترط في الشاهد العدالة, فأين العدالة في كثير من الناخبين؟ فلابد أن يكون عنده المعرفة والعلم بأحوال من سيشهد له، فقد قال سبحانه: { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } الزخرف. والشاهد من الآية: { وهم يعلمون } ماذا يشهدون به, ولمن يشهدون.
وقد جاء عند العقيلي أن رجلًا شهد عند عمر بن الخطاب, فقال عمر للرجل:"إني لا أعرفك, ولا يضرك أني لا أعرفك, فأتني بمن يعرفك"فقال رجل: أنا أعرفه يا أمير المؤمنين, قال: بأي شيء تعرفه؟ فقال: بالعدالة, فقال: هو جارك الأدنى, حتى تعرف ليله ونهاره, ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فعامَلَكَ بالدينار والدرهم, حتى تعرف ورعه؟ قال: لا، قال فصاحبَك في السفر, الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: فلست تعرفه". وقد حسّن سنده الشيخ الألباني في (الإرواء) ."
والغالب على الناس أنهم إذا رأوا للرجل هيئة, كأن يكون عنده لحية وجبة, أو يكون خطيبًا بليغًا, أو يتهجم على الحكام كثيرًا, هرولوا وراءه.
وليس من منهج أهل السنة هذا التشهير المفضي للفتنة, وسفك الدماء, والحماس الفارغ, الذي يصد الناس عن العلم النافع.