ثم مضى الشاب إلى منزله وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي، فأخذ قرطاسًا وكتب كتابًا ثم خرج من منزله فإذا بالمرأة واقفة في موضعها فألقى إليها الكتاب ورجع إلى منزله.
وكان في الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، اعلمي أيتها المرأة أن الله تبارك وتعالى إذا عصي حلم، فإذا عاود العبد المعصية ستر، فإذا لبس لها ملابسها غضب الله عز وجل لنفسه غضبة تضيق منها السموات والأرض والجبال والشجر والدواب فمن ذا الذي يطيق غضبه؟
فإن كان ما ذكرت باطلًا فإني أذكرك يومًا تكون السماء كالمهل، وتصير الجبال كالعهن، وتجثو الأمم لصولة الجبار العظيم، وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي فكيف بصلاح غيري، وإن كان ما ذكرت حقًّا فإني أدلك على طبيب حكيم - ذلك الله رب العالمين - فاقصديه على صدق المسألة فإني متشاغل عنك بقوله عز وجل: { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ } [1] !! فأين المهرب من هذه الآية؟!
ثم جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على طريقه فلما رآها من بعيد أراد الرجوع إلى منزله لئلا يراها.
فقالت: يا فتى لا ترجع فلا كان الملتقى بعد هذا أبدًا إلا بين يدي الله عز وجل، وبكت بكاء كثيرًا ثم قال: أسأل الله عز وجل الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك.
ثم تبعته فقالت: امنن علي بموعظة أحملها عنك وأوصني بوصية أعمل عليها!
(1) سورة غافر: 18-20.