الصفحة 5 من 6

وهذا مقام يطول فيه الحديث عنه، فإن الدروس العملية في الكتمان التي يستطيع المسلمون عموما والمجاهدون خصوصا أن يتعلموها من الرسول القائد صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تعد وتحصى.

وسأقتصر بحول الله على نماذج قليلة من الدروس العملية المستنبطة من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه حتى يعرف المجاهدون حفظهم الله كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد أقصى درجات الكتمان في أعماله العسكرية، فقد يكون في ذلك عبرة لمن أراد الاعتبار:

عرف الرسول عليه الصلاة والسلام أهمية حفظ السر فكتمه في معظم حروبه، حتى عن ألصق الناس به، ولم يصرح لأحد بقصده إلا في غزوة تبوك لبعد الشقة وثقل المؤونة الداعيان للإستعداد ولصعوبة إيصال الأخبار إلى أهل تبوك.

قبل غزوة الخندق التي عبأ فيها المشركون عشرة آلاف مقاتل عدى اليهود لمهاجمة المدينة، كان النبي عليه الصلاة والسلام على علم بنوايا أعدائه من خلال رجال استخباراته في مكة والقبائل العربية، حفر المسلمون خندقا حول المدينة، فكان مفاجأة للمشركين حتى قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.

هذه الوقعة لا تدل على نجاح استخبارات النبي صلى الله عليه وسلم التي عرفته بنوايا أعدائه مبكرا فحسب، وإنما تدل على حفظ السر الذي كان النبي عليه الصلاة والسلام يحرص عليه، ويعلم أصحابه بحفظه، وعلى الرغم من أن حفر الخندق استغرق حوالي عشرين يوما في المتوسط إذ كانت كافية جدا لكفار قريش واليهود لكشفه والإعلان عنه.

ولقد عمل الرسول عليه الصلاة والسلام بمبدا السرية في العام الثاني من الهجرة، لما خرج بأصحابه ودنى من بدر أمر أصحابه أن يقطعوا الأجراس من أعناق الإبل حتى لا يعلم بهم أحد.

إن الرسالة التي كتبها حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش بخبر الفتح لدليل على عناية الرسول عليه الصلاة والسلام بكتمان الأسرار فلما علم بالرسالة أرسل من استردها من حاملتها وأحضر إليه حاطبا ليحاسبه، فاعتذر له مؤكدا إسلامه فعفا عنه.

كما بعث النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم سرية من المهاجرين قوامها اثنا عشر رجلا بقيادة عبد الله بن جحش الأسدي رضي الله عنه للقيام بواجبات استطلاعية، وتوجهت تلك السرية نحو هدفها في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع قائدها رسالة (مكتومة) أمره الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يفتحها إلا بعد يومين من مسيره فإذا فتحها وفهم ما فيها مضى في تنفيذها غير مستكره أحدا من أفراد قوته على مرافقته.

و كان مضمون تلك الرسالة (المكتومة) "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نحلة - مكان بين مكة والطائف - فترصد بها قريشا وتعلم من أخبارها"، وبعد يومين من مسيرة عبد الله بن جحش عن قاعدة المسلمين بالمدينة المنورة، فض تلك الرسالة (المكتومة) وأطلع رجاله على كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبرهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه ان يستكره أحدا منهم على مرافقته، فلم يتخلف رجل من رجاله، وسارعوا إلى تنفيذها سمعا وطاعة [14] .

وهنا إشارة أو ملاحظة، وددت ذكرها مع هذا الدرس النبوي من عبق سيرة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ هل يسير تنفيذ أعمالنا العسكرية خصوصا ومهامنا الجهادية عموما على وفق ما تم مع عبد الله بن جحش الأسدي رضي الله عنه؟ نترك البحث عن الإجابة للإخوة المجاهدين!

لقد ابتكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوب الرسائل المكتومة للمحافظة على الكتمان الشديد، ولحرمان أعداء المسلمين من الحصول على المعلومات التي تفيدهم عن تحركات المسلمين، وبذلك أخفى نياته عن العدو والصديق، لقد سبق المسلمون غيرهم في ابتكار هذا الأسلوب الدقيق للكتمان، قبل أن يفطن إليه الألمان ويستعملونه في الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) .

وفي قصة غزو الصحابة لبني أسد درس آخر في الكتمان حيث أمرهم بالسير ليلا والاستخفاء نهارا وسلوك طريق غير مطروقة، حتى لا يطلع أحد على أخبارهم ونياتهم، فباغتوا بذلك بني أسد في وقت لا يتوقعونه، وغنموا منهم الغنائم الكثيرة.

والطريقة نفسها استخدمها الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة دومة الجندل، ممّا جعل النصر حليف المسلمين.

وكذلك في غزوة الأحزاب كتم النبي صلى الله عليه وسلم إسلام نعيم بن مسعود وأمره بكتمه وقال له: إنما أنت رجل واحد، فخذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة، فعمل نعيم رضي الله عنه على تفريق كلمة الأحزاب وزوال الثقة بينهم.

ومن كتمانه صلى الله عليه وسلم أنه إذا أراد غزوة ورى بغيرها، ففي غزوة بني لحيان أظهر أنه يريد الشام ثم اتجه جنوبا حتى يباغتهم ... ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهري ربيع، وخرج في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة إلى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع: خبيب بن عدي وأصحابه رضي الله عنهم، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غرة، فخرج من المدينة فسلك على غراب - جبل بناحية المدينة - على طريقه إلى الشام ثم على محيص ثم على البتراء ثم صفق - عدل وانصرف - ذات اليسار، فخرج على بين - واد قرب المدينة - ثم على صخيرات اليمام، ثم استقام به الطريق على المحجة من طريق مكة ... حتى نزل على غران وهي منازل بني لحيان.

وفي فتح مكة المكرمة كانت السرية كبيرة جدا، حتى أن زوج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة الصديقة وأبوها الصديق رضي الله عنهما، لم يعلما أين ومن يقصد حتى أخبرهما مع الناس جميعا، عند بدء المسير مما جعل الجيش يداهم قريشا قبل أن تعد له أي عدة.

وفي قصة إفشاء أبي لبابة لسر رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما ذهب أبو لبابة إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعاقبته لنفسه بيان مدى إحساس أحد الصحابة بأهمية حفظ السر وإثم إفشائه، قال الله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [15] .

قال عبد الله بن أبي قتادة والزهري: أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاروه في ذلك فأشار عليهم بذلك وأشار بيده إلى حلقه أي إنه الذبح ثم فطن أبو لبابة ورأى أنه قد خان الله ورسوله فحلف لا يذوق ذواقا حتى يموت أو يتوب الله عليه وانطلق إلى مسجد المدينة فربط نفسه في سارية منه فمكث كذلك تسعة أيام حتى كان يخر مغشيا عليه من الجهد أنزل الله توبته على رسوله فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه وأرادوا أن يحلوه من السارية فحلف لا يحله منها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فحله فقال يا رسول الله إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة فقال يجزيك [16] .

هذا طرف يسير من أخباره صلى الله عيه وسلم، وإلا فالدروس العملية من حياته صلى الله عليه وسلم كثيرة والتي تبين أهمية حفظ السر وخطورة إفشائه.

أما خلفاء الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ملئت وصاياهم إلى قادتهم بنصائح كثيرة تحض على كتمان السر ومعرفة الأسرار عن الأعداء، وأهمها وصية أبي بكر رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام، ووصيته إلى خالد بن الوليد في قتال أهل الردة، وصية عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما.

[14] وهذا الذي يسعى إليه الاخوة المسؤولون في الجماعة السلفية للدعوة والقتال إلى ترسيخه وتقريره في نفوس الاخوة المجاهدين - يحفظهم الله - وأن نتعاون جميعا في إخفاء أسرار جهادنا عن أعدائنا، وأن لا نتحرج في عدم الإجابة عن أسئلة متعلقة بأسرار سواءا كانت أسرارا سمعناها أو ائتمنا عليها أو مهاما كلفنا بها، حتى ولو كان السائل من أقرب الناس إلينا، ومما لاحظته من حالنا هو العكس! كيف ذلك؟

إذا سألنا أحدا أسئلة تعلقت بأسرار، وتعامل المسؤول - أي الذي سُئل - مع ذلك بعدم الإجابة وعمل بالآداب الشرعية، شنعنا عليه، واتهمناه بالتكلف وإخفاء ما هو معلوم - حسب زعمنا - والأصل عدم الإجابة والبوح بشيء من ذلك ولو كان الأمر مذاعا معلوما، فهي أمانة ولا يهمني إن كان الأمر شائعا أو غير شائع! فلا تزر وازرة وزر أخرى.

كما أنصح نفسي وإخواني المجاهدين الأفاضل بالابتعاد عن مواطن إشاعة الأسرار وذلك بكثرة الأسئلة والاستفسار عن أمور لا تهمهم، وإحراج بعضهم البعض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"وإذ ذكرت هذا الكلام، فنحن لا نتهم أحدا بالعمالة والجوسسة والشبهة! وحري بكل مجاهد أراد تحقيق السلفية علما وعملا، منهجا وسلوكا - وربما كان جاهلا لبعض آداب الأسرار والكتمان - أن يضيف إلى رصيده العلمي بعضا مما نقلناه في هذه الوريقات، والمراجع بحمد الله متوفرة وطلب العلم متيسر فمن أراد الاستزادة فليعزم وليتوكل والله المستعان وعليه التكلان، ولو أن تركيزنا حتى يعلم المجاهد الخيّر الفاضل هو على الجوانب العسكرية الحربية، ومقامنا هنا هو مقام تذكير ونصح وتوجيه بما جرّبناه وعشناه وخضناه!، فننصح الاخوة بالالتزام بالآداب والضوابط الشرعية المتعلقة بالأسرار، فبها نقطع الطريق على أعدائنا في الحصول على أسرارنا ... والله أعلم.

[15] الآية 27 الأنفال.

[16] والقصة كاملة في تفسير بن كثير ج3 ص 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت