الصفحة 1 من 8

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} .

وقال تعالى {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} .

وقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} .

أما بعد:

فيا أيها الإخوة المسلمون الأحباب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هذه رسالتنا الثانية إليكم، نبحث فيها مسألة مشروعية السرية في العمل الإسلامي.

فقد كثر اللغط والغلط فيها من جانب أعداء الإسلام ومن جانب أبناء الإسلام على السواء، فمِن قائل إن السرية ليست من الإسلام ولا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أو السلف الصالح، ومن قائل إنها بدعة، إلى غير ذلك من الأقوال التي سنبين بطلانها إن شاء الله تعالى.

ونحن نذكر بعون الله تعالى مشروعية السرية في العمل الإسلامي مؤيدين قولنا بالكتاب والسنة، وكلام سلف الأمة وأئمتها، وهو المنهج الذي التزمنا به بفضل الله تعالى في أقوالنا وأفعالنا، امتثالا لقول الله تعالى آمرا عباده المؤمنين {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا} [1] .

ومقصدنا من نشر هذا الموضوع بيان الحق في هذه المسألة للعاملين في ساحة العمل الإسلامي عموما والجهادي خصوصا، ونهدف أيضا إلى كشف خطأ الذين ينسبون إلى الإسلام ما ليس منه، أو ينفون عنه ما هو منه، فنقول وبالله التوفيق:

اتفق الناس جميعا مؤمنهم وكافرهم على أصلين عظيمين من أصول الحرب، وهما السرية والخداع، وذلك على تباين في الفهم.

فالخداع في الحرب لا يجوز فيه الغدر ونقض العهود عند المؤمنين بخلاف الكافرين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحرب خَدْعة) [2] ، وهذا من أساليب حصر المبتدأ (الحرب) في الخبر (خدعة) أي إن أساس الحرب وأهم أركانها الخداع، كقوله صلى الله عليه وسلم (الحج عرفة) [3] ، أي أهم ما في الحج الوقوف بعرفة، مع أن هناك أركانا أخرى في الحج، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم (الدين النصيحة) [4] .

قال النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: (اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، وكيف أمكن الخداع إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل) اهـ [5] .

وقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله:(وأصل الخداع إظهار أمر وإضمار خلافه، وفيه - أي في الحديث - التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار، وأن من لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه.

قال ابن العربي:"الخداع في الحرب يقع بالتعريض وبالكمين ونحو ذلك، وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه هذا الحديث، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم"الحج عرفة"."

قال ابن المنير:"معنى الحرب خدعة: أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة لغير خطر") اهـ [6] .

وفي الحديث وجوب أخذ الحذر في الحرب فعدوك يريد أن يخدعك كما تريد أنت تخدعه أنت، وقد قال تعالى يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم { [7] ، وقال تعالى وخذوا حذركم [8] .

وإذا كان هذا هو حال الدول والجيوش مع بعضها البعض فكيف بالمسلمين في حربهم مع عدوهم مع ضعفهم وقلتهم؟

لا شك أنهم أحوج ما يكونون إلى استخدام الخداع والحيلة والابتكار في مواجهة أعدائهم.

والخداع له صور فنية يعرفها المختصون في فنون الحرب والقتال، كالإخفاء والتمويه والحيل والتوقيت وغير ذلك، ولن نتعرض لهذه الأمور الفنية هنا.

ولكننا سنتعرض لبعض الأمور الشرعية المتعلقة بالخداع، وهذه الأمور هي: الكذب على الأعداء، واغتيال المحاربين منهم، ثم نتكلم عن السرية وما بينها وبين الخداع من عموم وخصوص.

إعداد اللجنة الشرعية بجماعة الجهاد

[1] سورة النساء، الآية: 59.

[2] رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والبيهقي والبزار والطبراني عن جابر وأبي هريرة وكعب بن مالك وعائشة وزيد بن ثابت والحسين بن علي والنواس بن سمعان ونعيم بن مسعود رضي الله عنه.

[3] رواه أحمد والحاكم والبيهقي عن عبد الرحمن بن يعمر.

[4] رواه مسلم وابو داود والنسائي وأحمد عن تميم، والترمذي وأبو نعيم عن أبي هريرة، وأحمد والبخاري في التاريخ عن ابن عباس رضي الله عنهم.

[5] شرح صحيح مسلم للإمام النووي ج 12/ 45.

[6] فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 6/ 158.

[7] سورة النساء، الآية: 71.

[8] سورة النساء، الآية: 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت