الصفحة 2 من 8

أولًا: الكذب على الأعداء

هذا ولم نقل الكذب في الحرب لأنه يجوز الكذب على العدو في الحرب وفي غير الحرب كما سندلل عليه إن شاء الله تعالى.

أ) أما في الحرب: ففيه حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها قالت: (لم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب مما تقول الناس إلا في الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها) [9] .

قال النووي رحمه الله: (صح في الحديث جواز الكذب في ثلاثة أشياء، أحدها في الحرب، قال الطبري إنما يجوز من الكذب في الحرب المعاريض دون حقيقة الكذب فإنه لا يحل، هذا كلامه، والظاهر إباحة حقيقة نفس الكذب، لكن الاقتصار على التعريض أفضل والله أعلم) اهـ [10] .

وقال ابن حجر رحمه الله: (قال النووي؛ الظاهر إباحة حقيقة الكذب في الأمور الثلاثة لكن التعريض أولى، وقال ابن العربي الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنص رفقا بالمسلمين لحاجتهم إليه، وليس للعقل فيه مجال، ولو كان تحريم الكذب بالعقل ما انقلب حلالا) اهـ [11] .

ب) وأما الكذب على العدو في غير حالة الحرب: فيجوز لأسباب منها ما فيها مصلحة دينية أو مصلحة دنيوية للمؤمن أو تخلص من أذى الكافرين والأدلة على ذلك:

1)قصة إبراهيم عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات: اثنتين منهن في ذات الله عز وجل: قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا ، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له: إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فسأل عنها فقال: من هذه؟ قال أختي، فأتى سارة قال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني ... ) [12] .

قال ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث: (وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعا لأعظمهما، وأما تسميته إياها كذبات فلا يريد أنها تُذَم، فإن الكذب وإن كان قبيحا مخلا، لكنه قد يحسن في مواضع هذا منها، وقوله {اثنتين في ذات الله} خصهما بذلك لأن قصة سارة وإن كانت أيضا في ذات الله، لكن تضمنت حظا لنفسه ونفعا له بخلاف الاثنتين الأخيرتين فإنهما في ذات الله محضا، وقد وقع في رواية هشام بن حسان المذكورة {إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله} ، وفي حديث ابن عباس عند أحمد {والله إن جادل بهن إلا عن دين الله} ) اهـ [13] .

فهذا الكذب منه ما فيه مصلحة دينية ومنه ما فيه فرار من أذى الكافرين وكلاهما جائز.

2)قصة أصحاب الأخدود: وقد ورد فيها عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان ملك فيمن قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليَّ غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب فقال له: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر ... ) [14] .

قال النووي رحمه الله في شرحه: (وفيه جواز الكذب في الحرب ونحوها، وفي إنقاذ النفس من الهلاك، سواء نفسه أو نفس غيره ممن له حرمة) اهـ [15] .

وهذه لم تكن حالة حرب ولكن النووي لعله يشير إلى أنه إذا جاز الكذب على الكافر في غير الحرب ففي الحرب أولى، والحديث السابق وحديث إبراهيم عليه السلام فيهما جواز الكذب للنجاة من بطش الكافرين.

وقد قال النووي في موضع آخر: (قالوا؛ ولا خلاف أنه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختفٍ وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أين هو) اهـ [16] .

ويجوز الكذب على الكافر لأجل المصلحة الدنيوية، وفيه قصة الحجاج بن علاط التي أشار إليها ابن حجر في شرح البخاري باب الكذب في الحرب، حيث قال: (ويقويه ما أخرجه أحمد وابن حبان من حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط الذي أخرجه النسائي وصححه الحاكم في استئذانه النبي صلى الله عليه وسلم، وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين وغير ذلك مما هو مشهور فيه) ... إلى أن قال: (قصة الحجاج بن علاط أيضا لم تكن في حالة حرب) اهـ [17] .

[9] رواه أحمد ومسلم، ورواه أبو داود عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها.

[10] صحيح مسلم بشرح النووي، ج 12/ 45.

[11] فتح الباري ج 6/ 159.

[12] رواه البخاري عن أبي هريرة حديث رقم 3358.

[13] فتح الباري ج 6/ 392.

[14] رواه أحمد ومسلم عن صهيب رضي الله عنه.

[15] صحيح مسلم بشرح النووي، ج 18/ 130.

[16] صحيح مسلم بشرح النووي، ج 16/ 158.

[17] فتح الباري، ج 6/ 159. وأورد ابن كثير رحمه الله القصة بطولها في البداية والنهاية، ج 4/ 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت