الصفحة 3 من 8

ثانيا: جوازُ اغتيالِ الكافرِ المُحارب

الكافر المحارب؛ هو الذي لا عهد له ويعادي دين الله تعالى بالقول أو الفعل، وقد ورد في السنة ما يدل على جواز قتل هؤلاء ويتأكد ذلك في حق من اشتد إيذاؤهم لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين، وقد وردت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} [18] .

قال القرطبي رحمه الله: ( {واقعدوا لهم كل مرصد} أي اقعدوا لهم في موضع الغِرَّة حيث يرصدون، وهذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة) اهـ [19] .

وقول القرطبي"قبل الدعوة"أي لمن بلغته الدعوة من قبل، وهذه الآية فيها دليل على مشروعية الرصد والاستطلاع والتجسس على العدو.

أما من السنة فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كعب ابن الأشرف وأبي رافع وهما من اليهود، أما كعب فكان يحرض المشركين على المسلمين وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم بشعره ويتشبب - يتغزل - بنساء المسلمين، وقد روى قصة اغتياله البخاري ومسلم.

فقد روى البخاري بسنده عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله، فقام محمد بن مَسْلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: فائذن لي أن أقول شيئا، قال: قل، فأتاه محمد بن مَسلمة ... ) [20] ، وفيه أن محمد بن مَسلمة ومن معه أوهموا كعبًا بضيقهم بالنبي صلى الله عليه وسلم واحتالوا عليه حتى قتلوه، وكان في حصن منيع.

وفي قول محمد بن مسلمة رضي الله عنه: (فائذن لي أن أقول شيئا) ، قال النووي رحمه الله: (معناه ائذن لي أن أقول عني وعنك ما رأيته مصلحة من التعريض وغيره، ففيه دليل على جواز التعريض وهو أن يأتي بكلام باطنه صحيح ويفهم منه المخاطب غير ذلك، فهذا جائز في الحرب وغيرها ما لم يمنع به حقًا شرعيًا) اهـ [21] .

قال ابن حجر رحمه الله: (وفي مرسل عكرمة"فأصبحت يهود مذعورين، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا قتل سيدنا غِيلة، فذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم صنيعه وما كان يحرض عليه ويؤذي المسلمين"، زاد ابن سعد"فخافوا فلم ينطقوا") ... إلى أن قال رحمه الله: (وفيه جواز قتل المشرك بغير دعوة، إذا كانت الدعوة العامة قد بلغته، وفيه جواز الكلام الذي يحتاج إليه في الحرب، ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته) اهـ [22] .

هذا ومن وصف اغتيال الكافرين المحاربين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم بأنه غدر ونحو ذلك، أو أن الإسلام يحرم ذلك فهو ضال ويخشى عليه أن يدخل في زمرة من يكذب بالكتاب والسنة.

وقد قال النووي رحمه الله: (قال القاضي عياض: ولا يحل لأحد أن يقول إن قتله - أي كعب - كان غدرا، وقد قال ذلك إنسان في مجلس علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأمر به فضرب عنقه) اهـ [23] .

وهذه القصة الأخيرة التي ذكرها النووي أشار إليها القرطبي في تفسير قوله تعالى فقاتلوا أئمة الكفر { [24] ، حيث قال رحمه الله: (استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجوب قتل كل من طعن في الدين إذ هو كافر، والطعن: أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين، لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله واستقامة فروعه) ... إلى أن قال:(ورُوي أن رجلا قال في مجلس علي ما قتل كعب بن الأشرف إلا غدرا، فأمر علي بضرب عنقه، وقاله آخر في مجلس معاوية فقام محمد بن مسلمة فقال: أيقال هذا في مجلسك وتسكت!، والله لا أساكنك تحت سقف أبدا، ولئن خلوت به لأقتلنه.

قال علماؤنا: هذا يقتل ولا يستتاب إن نسب الغدر للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي فهمه علي ومحمد بن مسلمة رضوان الله عليهما من قائل ذلك، لأن ذلك زندقة، فأما إن نسبه للمباشرين لقتله بحيث يقول: إنهم أمنوه ثم غدروه لكانت هذه النسبة كذبا محضا، فإنه ليس في كلامهم معه ما يدل على أنهم أمنوه ولا صرحوا له بذلك، ولو فعلوا ذلك لما كان أمانا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما وجههم لقتله لا لتأمينه، وأذن لمحمد بن مسلمة في أن يقول.

وعلى هذا فيكون في قتل من نسب ذلك نظر وتردد، وسببه هل يلزم من نسبة الغدر لهم نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه قد صوب فعلهم ورضي به فيلزم منه أنه قد رضي بالغدر ومن صرح بذلك قتل، وإذا قلنا لا يقتل، فلابد من تنكيل ذلك القائل وعقوبته بالسجن، والضرب الشديد والإهانة العظيمة)اهـ [25] .

وما أنكره علي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهما هو ما يدندن به الأئمة المضلون من كهنة السلطان الذين يقولون إن الإسلام يحرم الاغتيال مطلقا وأن الاغتيال غدر وخيانة، يقولون ذلك حماية لأسيادهم.

ويؤيد قتل المحاربين ما ورد في قصة ابن أبي الحقيق وهو يهودي من خيبر وكان قد ذهب إلى مكة وأغرى قريشا بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى حزبوا الأحزاب وكان موقد نار غزوة الأحزاب.

فقد روى البخاري عن البراء بن عازب قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه وكان في حصن له بأرض الحجاز) [26] .

وروى عنه أيضا: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا إلى أبي رافع فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلا وهو نائم فقتله) [27] ، وقد احتال بن عتيك بشتى الحيل حتى قتله، فاحتال حتى دخل الحصن ثم أغلق أبواب بيوت اليهود من خارجها ثم صار إلى أبي رافع لا يدخل بابا إلا أغلقه من داخله وغير صوته حتى لا يُعرَف رضي الله عنه.

قال ابن حجر رحمه الله:(وفي هذا الحديث من الفوائد:

-جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصر، وقتل من أعان على رسول صلى الله عليه وسلم بيده أو ماله أو لسانه.

-وجواز التجسس على أهل الحرب وتطلب غرتهم والأخذ بالشدة في محاربة المشركين وجواز إبهام القول للمصلحة، وتعرض القليل من المسلمين للكثير من المشركين) اهـ [28] .

ومثل ما ورد في قصة قتل هؤلاء الطواغيت ورد في قصة قتل خالد بن سفيان الهذلي التي رواها الإمام أحمد وأبو داود والبيهقي عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه قال: (دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد بلغني أن خالدا بن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة، فَاته فاقتله، قال: قلت يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه، قال صلى الله عليه وسلم: إذا رأيته وجدت له قشعريرة، قال: فخرجت متوشحا بسيفي حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلا، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة فأقبلت نحوه، وخشيت أن يكون بيني وبينه محاولة تشغلني عن الصلاة، فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي الركوع والسجود، فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لهذا، قال: أجل أنا في ذلك، قال: فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني فقال: أفلح الوجه، قال: قلت: قتلته يا رسول الله، قال: صدقت) [29] .

وكما ترى فقد كان الهدف من اغتيال خالد ابن سفيان هو إجهاض مخططه لمحاربة المسلمين.

وفي هذه المسألة يقول الشيخ عبد الرحمن الدوسري رحمه الله عند ذكره لمراتب العبودية في تفسيره لقول الله تعالى {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: (ثم إن إعداد القوة حسب المستطاع من واجبات الدين ولوازم إقامته، فالعابد الصحيح لله لا يعتوره التسويف في هذا، فضلا عن تركه أو التساهل فيه، وأيضا فالعابد لله المصمم على الجهاد يكون منفذا للغيلة في أئمة الكفر من دعاة الإلحاد والإباحية، وكل طاعن في وحي الله أو مسخر قلمه أو دعايته ضد الدين الحنيف لأن هذا مؤذ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز للمسلمين في بقاع الأرض من خصوص وعموم أن يَدَعوه على قيد الحياة لأنه أضر من ابن أبي الحقيق وممن ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اغتيالهم، فترك اغتيال ورثتهم في هذا الزمان تعطيل لوصية المصطفى صلى الله عليه وسلم وإخلال فظيع بعبودية الله وسماح صارخ شنيع للمعاول الهدامة في دين الله، ولا يفسر صدوره إلا من عدم الغيرة لدين الله والغضب لوجهه الكريم، وذلك نقص عظيم في حب الله ورسوله وتعظيمهما لا يصدر من محقق لعبودية الله بمعناها الصحيح المطلوب) اهـ [30] .

وهنا تبرز مسألة وهي: إذا لم يمكن قتل الكافر إلا بقتل من معه من النساء والولدان ومن يحرم قتلهم، هل يجوز قتلهم أم لا؟

الجواب: يجوز قتلهم وإن لم يقاتلوا أو يعينوا إذا لم يمكن قتل الكافر إلا بذلك، وعلى أن لا يتعمد قتلهم ولا يقصدون وحدهم، وهذه المسالة فيها نوعان من الأحاديث:

النوع الأول: مثل حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان) ، وفي رواية (فأنكر) بدل فنهى، متفق عليهما.

النوع الثاني: مثل حديث الصَّعْب بن جَثَّامة قال: (سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين يُبيَّتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: هم منهم) [31] ، وفي رواية: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له لو أن خيلا أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين، قال: هم من آبائهم) [32] .

قال النووي رحمه الله:("هم من آبائهم"؛ أي لا بأس لذلك لأن أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القصاص والديات وغير ذلك، والمراد إذا لم يتعمدوا من غير ضرورة.

وأما الحديث السابق في النهي عن قتل النساء والصبيان فالمراد به إذا تميزوا، وهذا الحديث الذي ذكرناه من جواز بياتهم وقتل النساء والصبيان في البيات هو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور، ومعنى البيات ويبيتون أن يغار عليهم بالليل بحيث لا يعرف الرجل من المرأة والصبي، والمراد بالذراري هنا النساء والصبيان.

وفي الحديث دليل لجواز البيات وجواز الإغارة على من بلغتهم الدعوة من غير إعلامهم بذلك.

وفيه أن أولاد الكفار حكمهم حكم آبائهم في الدنيا، وأما في الآخرة ففيهم إذا ماتوا قبل البلوغ ثلاثة مذاهب) اهـ [33] .

وقال ابن قدامة رحمه الله:(ويجوز تبييت الكفار وهو كبسهم ليلا وقتلهم وهم غارون، قال أحمد: لا بأس بالبيات وهل غزو الروم إلا البيات؟ وقال: لا نعلم أحدا كره بيات العدو، وقرأ عليه سفيان عن الزهري عن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الديار من المشركين نبيتهم فنصيب من نسائهم وذراريهم فقال صلى الله عليه وسلم: هم منهم"، فقال إسناد جيد.

فإن قيل فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والذرية، قلنا هذا محمول على التعمد لقتلهم، قال أحمد: أما أن يتعمد قتلهم فلا، قال وحديث الصعب بعد نهيه عن قتل النساء لأن نهيه عن قتل النساء حيث بعث إلى أبي الحقيق، وعلى أن الجمع بينهما ممكن، يحمل النهي على التعمد والإباحة على ما عداه) اهـ [34] .

[18] سورة التوبة، الآية: 5.

[19] تفسير القرطبي، ج 8/ 73، ط دار الحديث.

[20] الحديث رقم 4037.

[21] صحيح مسلم شرح النووي، ج 12/ 161.

[22] فتح الباري ج 7/ 340، وقد أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب الجهاد باب الكذب في الحرب وباب الفتك بأهل الحرب.

[23] صحيح مسلم بشرح النووي، ج 12/ 160.

[24] سورة التوبة، الآية: 12.

[25] تفسير القرطبي، ج 8/ 81. ط دار الحديث.

[26] صحيح البخاري، حديث رقم: 4039.

[27] صحيح البخاري، حديث رقم، 40

[28] فتح الباري، ج 7/ 345.

[29] قال الشوكاني في نيل الأوطار، ج 3/ 213 سكت عنه أبوداود والمنذري وحسن إسناده الحافظ في الفتح.

[30] صفوة الآثار والمفاهيم من تفسير القرآن العظيم للشيخ عبد الرحمن الدوسري، ج 1/ 268.

[31] متفق عليه.

[32] رواه مسلم.

[33] صحيح مسلم بشرح النووي، ج 12/ 48: 50.

[34] المغني والشرح الكبير، ج 10/ 503.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت