الصفحة 6 من 8

وأدلة ذلك:

قوله تعالى {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه} [44] ، وقال تعالى في أصحاب الكهف {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا} [45] ، فالسرية في قوله تعالى {ولا يشعرن بكم أحدا} .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمقداد رضي الله عنه: (إذا كان رجل ممن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل) [46] .

وفي قصة إسلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اعرض عليَّ الإسلام، فعرضه، فأسلمت مكاني، فقال لي: (يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل، فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم) [47] .

وكتم الحجاجُ بن عِلاط السُّلَمي إسلامه عن أهل مكة، واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الكذب عليهم حتى يجمع أمواله التي بمكة [48] .

وروى مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحصوا لي كم يلفظ الإسلام، قال: فقلنا يا رسول الله أتخاف علينا ونحن ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟ قال: إنكم لا تدرون لعلكم أن تبتلوا، قال: فابتلينا حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا) [49] .

قال النووي رحمه الله: (وأما قوله"ابتلينا فجعل الرجل لا يصلي إلا سرا"، لعله كان في بعض الفتن التي جرت) اهـ [50] .

وكما ترى أن إخفاء الإيمان - وهو ما نعبر عنه بالسرية - جائز ومشروع خاصة حال الخوف من إيذاء الكافرين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنهم يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [51] .

وهذه المسألة - وهي استسرار الأفراد بإيمانهم أو كتمان الإيمان - نود أن نضيف إليها مسألتين وهما مسألة التقية ومسألة جواز ترك صلاتي الجمعة والجماعة للخائف.

فأما مسألة التقية فقد قال تعالى فيها {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منه تقاة، ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} [52] .

قال ابن كثير رحمه الله: (نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك فقال {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء أي ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد بريء من الله} ... إلى أن قال:(وقوله تعالى {إلا أن تتقوا منهم تقاة} أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره، لا بباطنه ونيته، كما روى البخاري عن أبي الدرداء:"إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم".

وقال النووي رحمه الله: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة) [53] .

وقال القرطبي رحمه الله: (قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جِدة الإسلام قبل قوة المسلمين، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم، قال ابن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يقتل ولا يأت مأثما، وقال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ولا تقية في القتل، وقيل: إن المؤمن إذا كان قائما بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفا على نفسه وقلبه مطمئن بالإيمان، والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم، ومن أكره على الكفر فالصحيح أن له أن يتصلب ولا يجيب إلى التلفظ بكلمة الكفر، بل يجوز له ذلك) [54] .

ومما سبق يتبين أن التقية وهي مداراة الكافرين جائزة إلى يوم القيامة وفيها كتمان بعض الإيمان كالحب في الله والبغض في الله، وقد أجمع العلماء أنه لا تقية ولا إكراه في القتل، أي أنه لا يحل لأحد تحت قهر الكافرين ويدعي الإسلام أن يقدم على قتل المسلمين وقتالهم طاعة للكافرين بعذر التقية والإكراه، فهذا ليس بعذر في ذلك أبدا.

ومما يدخل في التقية جواز إلقاء السلام على الكافر إذا خافه المسلم.

قال ابن حجر رحمه الله: (قال النووي: فإن اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين أو دنيا إن لم يسلم سلم، وكذا قال ابن العربي وزاد: وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه قال الله رقيب عليكم، ولا خلاف في أنه يجوز السلام على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والكافرين وينوي به المسلمين كما روى البخاري عن أسامة بن زيد) [55] .

أما المسألة الثانية: وهي جواز ترك صلاتي الجماعة والجمعة للخائف، كالخائف من بطش الكافرين وأعوانهم الذين يتربصون بالمساجد وعمارها، فيجوز له التخلف عن صلاة الجماعة أو الجمعة على أن لا يعتاد ذلك، وهذا إن جاز في مكان ما قد لا يجوز في غيره، وإن جاز في وقت ما قد لا يجوز في غيره، فإن صلاة الجماعة واجبة ولا يترك الواجب إلا لعذر حقيقي، وهذه المسألة تجدها في كتب الفقه في باب أعذار التخلف عن الجماعات.

ومن ذلك ما قاله ابن قدامة الحنبلي رحمه الله: (ويعذر في تركهما - أي الجماعة والجمعة الخائف لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"العذر خوف أو مرض"، والخوف ثلاثة أنواع: خوف على النفس، وخوف على المال، وخوف على الأهل، فالأول: أن يخاف على نفسه سلطانا يأخذه، أو عدوا أو لصا أو سبعا أو دابة أو سيلا، أو نحو ذلك بما يؤذيه في نفسه) اهـ [56] .

وهناك حديث يدل على صحة هذا الحكم وهو حديث حذيفة المتفق عليه، وفيه قال: (فابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده) .

وقد أشار القرطبي أيضا إلى هذه المسألة في تفسيره لقوله تعالى {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم} ... إلى قوله تعالى {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين} [57] .

قال القرطبي رحمه الله: (قيل المراد صلوا في بيوتكم سرا لتأمنوا، وذلك حين أخافهم فرعون فأمروا بالصبر واتخاذ المساجد في البيوت والإقدام على الصلاة والدعاء إلى أن ينجز الله وعده، وهو المراد بقوله تعالى {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا} ، وكان من دينهم أنهم لا يصلون إلا في البِيع والكنائس ما داموا على أمن، فإذا خافوا فقد أُذن لهم أن يصلوا في بيوتهم ... إلى أن قال:(وإذا تنزلنا على أنه كان أبيح لهم أن يصلوا في بيوتهم إذا خافوا على أنفسهم فيستدل به على أن المعذور بالخوف وغيره يجوز له ترك الجماعة والجمعة، والعذر الذي يبيح له ذلك كالمرض الحابس أو خوف زيادته أو خوف جور السلطان في مال أو بدن) اهـ [58] .

فهذه أدلة قولنا أنه يجوز للخائف من بطش السلطان - وخاصة الكافر - أن يتخلف عن الجماعة والجمعة بالمساجد، على أن يكون العذر حقيقيا وعلى ألا يعتاد ذلك، ومع ذلك فإنه يمكن للمسلم في بعض الأحوال أن يغير المسجد الذي يصلي فيه أو يصلي في أكثر من مسجد ليفلت من تربص الكافرين به.

[44] سورة غافر، الآية: 28.

[45] سورة الكهف، الآية: 19.

[46] رواه البخاري تعليقا، حديث رقم 6866.

[47] رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 3522.

[48] انظر قصته في البداية والنهاية ج 4/ 215.

[49] رواه مسلم في كتاب الإيمان باب جواز الاستسرار بالإيمان للخائف، ورواه البخاري في صحيحه بلفظ (فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف) .

[50] صحيح مسلم بشرح النووي، ج 2/ 179.

[51] الصارم المسلول/ 221.

[52] سورة آل عمران، الآية: 28.

[53] تفسير ابن كثير، ج 1/ 357.

[54] تفسير القرطبي، ج 4، 62. ط دار الحديث.

[55] فتح الباري، ج 11/ 38: 40.

[56] المغني والشرح الكبير، ج 1/ 660.

[57] سورة يونس، الآية: 83: 87.

[58] تفسير القرطبي، ج 8/ 342 - 343. ط دار الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت