الصفحة 3 من 4

ثانيًا؛ في بيان سبيل المفسدين

اعلم ان القعود هو سنة المفسدين ودرب الأشقياء والمنافقين.

قال تبارك تعالى: {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم أنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون * فليضحكوا قليلًا وليبكوا كثيرًا جزاء بما كانوا يكسبون} .

ففي المنافقين أنزلت، وفيها صفتان لهم أولها: أنهم فرحين بقعودهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر انهم غير مظهرين لفرحهم هذا، بل أنهم أخفوه بالحجج الواهية.

كقول الجد بن قيس لنبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له صلى الله عليه وسلم: (هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر؟) ، فأجابه متحججا: (يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله قد عرف قومي ما من رجل أشد عجبًا بالنساء مني، وأني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن) ، فأعرض عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: (أذنت لك) ، فأنزل الله تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} .

أو كقول أوس بن قيضي للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق: (بيوتنا عورة نخاف عليها السراق) ، أي يتحجج بأن بيته مكشوف ليس دونه أحد، فيريد أن يستأذن ليحميه وهو بالأصل ما يريد إلا الفرار من النزال. فأنزل الله تعالى: { ... ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا} .

أما منافقي اليوم فحدث عنهم ولا حرج، فقد ازدادت وقاحتهم وقل حياهم، وصدق فيهم قول النبوة الأولى إن لم تستحي فاصنع ما شئت، فتراهم يفاخرون ويباهون الخلق بقعودهم عن الجهاد، معتبرين قعودعهم هذا، هدي من هدى المحسنين وصراط نزله العزيز الحميد، بل ويعدون من حاد عن هذا الإفك المبين والوهن المقيت، وأبى أن يكون ضمن الصعاليك، بأنه مبتدع زنديق جاء ليشق الصف ويهلك الحرث والنسل، فبهذا لا يحتاج أدناهم أن يسوق المبررات ولا أن ينشئ الحجج القاطعات ولا البراهين الواضحات لتبرير رقوده بين أحضان الزوجات أو الأمهات، فقد رفعت أقلامهم وجفت صحفهم ورمي بهذا الهدي عرض الحائط، وقال قائلهم: (خير الجهاد في وهننا هذا هو الإمساك عن الجهاد) - مقولة لشيخهم شقرة عبر بها عن معتقد حزبهم المسمى بالسلفية! -

أما الصفة الثانية في المنافقين في هذه الآية: فهي كره بذل الجهد النفس والمال في سبيل الملك الوهاب، ومن كره بذل جهد النفس قولهم: {لا تنفروا في الحر} ، أي كرهوا أن ينفروا في سبيل الله لما في ذلك من مشقة تذهب الملذة، ومعلوم أن بغيتهم ومناهم من هذه الحياة، جمع الملذات وتحصيل الشهوات، والقتال في سبيل الله يردي هذه الغايات، فهو مزهق الأرواح ومكمم الشهوات وكابح جماح الملذات، فلهذا كرهوه وحابوا القعود ودعوا إليه.

وحال مرجئة اليوم ليس عنهم ببعيد، فقد تشابهت القلوب وتماثلت الغايات واستوت الآراء، إلا أنهم أعني مرجئة العصر - زادوا الطين بلة فما عادوا يعترفون أصلًا بشيء اسمه القتال في سبيل الله، ولا يحتاج الأمر أن يُحتجَ بحر ولا ببرد، لأن الأمر عندهم مرفوع، والحكم مقطوع، فالقتال في سبيل الله أصلًا مقدمات باطلة! لا ينتطح - برأيهم - فيه كبشان.

ومثله قوله تبارك وتعالى: {وإذا أنزلت سورة أن أمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين * رضوا أن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} ، وفيها تماثل صفتهم مع صفة الكافرين، فقد تشابه رضاهم بالقعود، برضى الكافرين بالحياة الدنيا.

وفيها أيضا كراهيتهم لهديه صلى الله عليه وسلم في القتال بقوله تعالى: {وإذا أنزلت سورة أن أمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم} ؛ أي إذا أمروا بالقتال لم يقاتلوا وكانوا له كارهين.

وفيه مشابهة لليهود، قال تبارك وتعالى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} ، فصدق سعيد ابن جبير إذ سماهم يهود القبلة.

قال تبارك وتعالى: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون} .

وفيها أيضا صفة من صفات المنافقين؛ وهي أنهم مستهزئون مستهترون بالله وآياته ورسوله وبالمؤمنين، فمن اسباب نزول هذه الآية استهزاء المنافقون بالصحابة الذين نفروا ليقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني الأصفر - الرومان - في تبوك، فقالوا للمؤمنين تثبيطًا وتنقيصًا: (أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا؟ والله لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال) ، فعلم الرسول صلى الله عليه وسلم مقولتهم هذه، فأرسل إليهم عمار بن ياسر، فجاءوا يجأرون إليه صلى الله عليه وسلم، قائلين إنما كنا نخوض ونلعب فأنزل الله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} .

فأنظر الى هذا الترهيب وإلى هذا التهويل، فهاهم قد رسموا صور الهزيمة في أذهان المسلمين لينتزعوا من صدورهم اليقين، يقين النصر الذي يمنه الله على من يشاء من عباده، هذا النصر الذي هو بالأساس من عند الله والواحد القهار، لذلك يقول تعالى: {كم من فئة قليلة غلبة فئة كثيرة بإذن الله} ، أي بقدرته وبمشيئته، ومن ثم ليضعوا في قلوبهم الشك والرهبة، وهذا كله صد عن سبيل الله، وتثبيطًا لجند الله، وتشكيكًا بقدرة الله، فلذلك كله؛ كفرهم الله عز وجل وأخرجهم من الملة بعدما كانوا مسلمين، وهذا أيضًا مصير كل من ثبط المسلمين وصد عن سبيل الله وشكك بنصر الله.

وحال المرجئة الأشرار في التنقيص والتثبيط كحال هؤلاء الكفار، فها قد نقلنا لك رأيهم بالجهاد، فهو؛"مقدمات باطلة"، و"سير نحو الهاوية"، و"قفز يكسر الأرجل"، وهو كقول المنافقون: {غر هؤلاء دينهم} .

قال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم القائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا ياتون البأس إلا قليلا * أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا} ، في المنافقين نزلت وفيها عدة صفات لهم، نذكر ثلاثة منها:

-أنهم يعوقون المؤمنين في قتالهم للكافرين، ويصدونهم عن قتال الكافرين بشتى الطرق وبمختلف السبل.

فهذه الآية أنزلت في مجموعة من المنافقين، كانوا يراسلون خلطائهم وأبناء عشيرتهم من المسلمين وهم يرابطون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة لحمايتها من الأحزاب، قائلين لهم: (هلموا إلينا فعندنا ما لذ وطاب، عندنا ظل وعندنا الثمار) ، وكانوا أيضًا إن أتاهم رجل من عسكر المسلمين ثبطوه وأمروه بالجلوس واعدوا له الشواء والنبيذ، وبغيتهم من هذا كله، إعاقة المسلمين في حربهم للكافرين، وفض من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لتضعف شوكت المسلمون، فتكون الغلبة للأحزاب المشركين.

أما اليوم ففد تبدلت سبل تثبيط وتعويق المسلمين عن الجهاد في سبيل الله الواحد المنان، فتارة يعوقون المسلمين بالفتاوي، كفتاوى ابن باز في تحريم جهاد آل سعود، وفتاوى ابن عثيمين في تحريم جهاد حكام العرب الكافرين، وتارة بالشهوة كإغداق الأموال على القاعدين دون المجاهدين، وتارة بالترهيب كزج المجاهدين في السجون، وتارة بالتضييق كالتيسير على القاعدين دون المجاهدين، والكثير الكثير من السبل التي تهدف إلى طمث الجهاد، ونزع حب القتال من صدور شباب الإسلام.

-أما الصفة الثانية؛ فهي في قوله تعالى: {لا يأتون البأس إلا قليلا} ، وهو العزم، فهؤلاء المرجئة وكما هو معلوم هم أقل الناس بأسًا وأكثرهم وهنًا، فما سمعنا يومًا أنهم لبوا نداء مستنفر، أو جاهدوا ظالم متكبر، بل أن جهادهم في تحريم صيام السبت والتسور بالذهب.

وهذا الحال قد أكده علي الحلبي - أحد مشايخهم - بلسانه فضلًا عن حاله عندما سأل عن رأيه في الجهاد في فلسطين؟ فقال: (يقلوا بيض أفضل لهم) .

-أما الثالثة؛ ففي قوله تعالى: {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} ، فقذف الموحدين والتشهير بهم هي من صفات المنافقين، وهؤلاء المرجئة يتقربون إلى الله - كما يزعمون - بقذفنا، والأمثلة في هذا وفيرة؛ فكتب المدخلي كثيرة، وإليك قول لأحد شيوخهم ويدعى إحسان العتيبي - أبو طارق - يوصي به تلاميذه: (الخوارج - يقصد إخواننا المجاهدين - كلاب النار فدعوهم يتدربون على نباح) !

وتأمل قوله تعالى: {إذا ذهب الخوف} ؛ أي أن المنافقين لا يجرؤن على شتم الموحدين والعيب عليهم وهم بين ظهارنيهم هذا لأنهم أجبن الناس، فإن اطمأنوا سلقونا بالسنة حداد، لذلك ما عهدنا من مرجئ شتمنا وهو بين ظهرانينا، ولذلك أنكر علي الحلبي فتواه التي أفتاه بشأن جواز تبليغ المخابرات بأي مجاهد يريد تدمير عرش الطغيان، لما راجعه بها أحد الإخوة.

فصدق الله العظيم القائل: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} ، {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت