وبعد ... ما هي النتائج الفاسدة؟!
والقوس فيها وتر عنابل ... أ الموت في سبيل الله؛ نتائج فاسدة، أو كسر أرجل أو سير نحو الهاوية؟
فاعلم أنهى منتهى الغيات، وسبيل النجاة، وهي المنى لكل عبد عرف الله حقًا، لما في إدراكها الأجر العظيم والعطاء الجزيل والدرجة العالية الرفيعة، قال تعالى: {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نأتيه أجرًا عظيم} .
فتأمل تقديم القتل، على الغلبة في نيل الأجر العظيم في هذه الآية الكريمة، واعلم أن أجر المقتول المهزوم الذي ما ملك إلا اليسير، فبه جاهد، خير من من ملك سلطانًا وشوكة وبهما قاتل، لذلك كان سيد الشهداء رجل قام - تفيد الضعف لأنه مفرد ولو قصد بها القوى لقيل رجال قاموا - على ذو سلطان - أي ذو قوة - فأمره ونهاه فقتله، فأنظر لهذه الدرجة التي فضل بها هذا الضعيف على غيره من المجاهدين، أن يكون سيدا لهم، واعلم أنه ما نال هذا الأجر إلا لأنه أخذ بالعزيمة وآثر الآخرة على الدنيا الرخيصة، وما أثناه عن ذلك بطش طاغوت ولا سيف نمرود، فاستبق الخيرات فكانت له الجنات فهل يقال لموته نتيجة فاسدة.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} ، فبهذه الآية حث الله تعالى المؤمنين ورغبهم في بيع الأنفس والأموال، لشراء مرضاته والجنات، فهل ببيع النفس لطاعة الرحمن تتبع للأهواء مخلوطة بالشبهات - كما يقول مرجئة هذا العصر -
قال تعالى: {يا أيها الذين أمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفس ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} ، فتأمل قوله تعالى: {هل أدلكم} ، فالذي دلنا على هذا السبيل هو ربنا رب العالمين، فهل يهدي تعالى لغير الحق؟! تعالى الله الملك القدوس عما يصفون.
ومن ثم تأمل قوله تعالى: {ذلكم خير لكم} ؛ فإن الله تعالى يقرر من فوق سبع السماوات أن درب الجهاد وقتال الطواغيت هو خير لنا، ومعلوم عند أهل السنة والجماعة أن الخير الذي يدل الله عليه هو خير محض لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من امامه ولا عن يمينه ولا عن شماله.
فهل يجرؤ رجل بعد هذا أن يقول؛"بل هو سير نحو الهاوية"؟! لا شك أن الهاوية هي مصير من قال بهذا الكلام.
وهل يتمنى الرسول صلى الله عليه وسلم"النتيجة الفاسدة"التي يحذر منها شيوخ الإرجاء جهالهم من الدهماء، وهو القائل صلى الله عليه وسلم: (وددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ... . الحديث) ، أليس هو الذي {لاينطق عن الهوى} ؟ أليس هو الذي يأخذ من كلامه ولا يرد؟ أليس في إتباعه رضى الله؟ وأن في الإعراض عن هديه سخط الله؟ فكيف يتمنى الفساد؟!
وهل يكون القتال في سبيل الله وجهاد الطواغيت نتيجة فاسدة، والذي حث عليها ورغب بها هو المصطفى صلى الله عليه وسلم؟!
فهو القائل: (غدوة في سبيل الله أو روحة خير من دنيا وما فيها) [رواه البخاري] .
وهو القائل: (إن قيام الرجل في الصف في سبيل الله، أفضل من عبادته في أهله سبعين عامًا) [أخرجه البيهقي في السنن الكبرى والترمذي والحاكم، وإسناده حسن] .
وهو القائل: (أن مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن جاهد في سبيله كمثل القائم الصائم الخاشع الراكع الساجد) [حديث صحيح أخرجه النسائي] .
وهو القائل: (ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟) ، قالوا: بلى، قال: (فاغزوا) [حديث صحيح رواه الترمذي والحاكم] .
وهو القائل: (أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) [رواه مسلم] .
وهو القائل: (جاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة، ينجي الله به الهم والغم) [حديث صحيح رواه أحمد] .
وأين أنتم وهدي صحابته الأبرار؟!
أيقال لموت المرثد بن أبي المرثد الغنوي وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت نتيجية فاسدة، لأنهم أبوا إلا أن يقاتلوا هذيلًا وهم فرادة؟!
والقصة لمن لا يعرفها؛ ان رهط من عضل والقارة قدموا إلى رسول الله، فقالوا: (يا رسول الله إن فينا إسلام، فابعث نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين) ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة من أصحابه منهم ما ذكرنا أعلاه وخبيب بن عدي وغيرهم. وأمر عليهم صلى الله عليه وسلم مرثد بن أبي مرثد، فلما بلغوا الرجيع ماء لهذيل، غدروا بهم واستنصروا عليهم هذيلًا، فأحاطوا بأصحاب رسول الله، فجرد الصحابة السيوف لقتال هذيلًا، فقال رهط عضل والقارة: (ما نريد قتلكم، ولكنا نريد ان نصيب بكم شيئًا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم) ، فأبى مرثد وصاحبيه - المذكورين أعلاه - أن يقبلوا من مشرك عهد ولا عقدًا فقاتلوهم حتى قتلوا، وانشد عاصم بن ثابت:
ما علتي وأنا جلدٌ نابل
الموت حق والحياة باطل ... تزل على صفحتها المعابل
بالمرء والمرء إليه آئل ... وكل ما حم الإله نازل
وضالة مثل الجحيم الموقد ... وقال أيضًا - وكان يكنى بأبي سليان:
أبو سليمان وريش المقعد
ومجنأ من جلد ثور أجرد ... إذا النواجي افترشت لم أرعد
فهؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم قاتلوا قومًا وهم غير مكرهين فهل يقال لموتهم"نتيجة فاسدة"؟! لأنه"سير نحو الهاوية"و"قفز يكسر الأرجل".
وهل يقال لشجاعة عاصم بن ثابت، حماس شباب أجوف [أنظر لسيرة بن هشام، ذكر أهل الرجيع] ، وتأمل تعليق ابن اسحاق على خبيب بن عدي وصاحبيه، وهم الذين لم يقاتلوا وأخذوا بالرخصة، قال ابن إسحاق: (أما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي، وعبد الله بن طارق، فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة الدنيا) .
وهل موت الانصاري، أحد بني عمرو - في حديث بئر معونة - نتيجة فاسدة، لأنه أبى إلا أن يقاتل وهو منفرد قبائل من بني سليم، وهم عصيبة ورعل ودكوان، والقصة تجدها بطولها في سيرة ابن هشام وغيره، وفيها أنه قال لعمروا بن أمية - لما نصحه عمروا بالعودة إلى رسول الله: (ولكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمروا) ، فغزا قوما منفردًا حتى قتل.
وكذلك حال إخوانا في لبنان، فهل يقال لموتهم"نتيجة فاسدة"و"كسر أرجل"و"سير نحو الهاوية"لأنهم دفعوا عن أنفسهم أذى الماروني الملعون؟!
وهل إتفاق الصحابة على خوض معركة مؤتة وعدوهم يفوق [200] ألف وهم لا يتجاوزون [3] آلاف، هل يقال له سير نحو الهاوية وقفز يكسر الأرجل؟! أم توكل وحسن ظن بالله العزيز الحميد؟
فهلا شفيتم بما قاله عبد الله بن رواحة وهو أعلم بالهاوية، عندما علم عدة وعدد عدوه، فقال: (يا قوم! والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقابلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فإنطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة) .
فهلا قلتم كما قال صحابة رسول الله: (قد والله صدق ابن رواحة) .
وهل قتال عبد الله بن أم مكتوم - وهو اعمى - في القادسية سير نحو الهاوية؟
وهل قتال سعيد ابن المسيب - وعينه ساقطة - قفز يكسر الأرجل؟
وهل قتال ابو طلحة الأنصاري في البحر - وهو كهل قد أعذره الله - حماس شباب أجوف؟
وهل ... وهل ... وهل ... ؟
لكن اعلم يا أخ التوحيد؛ أنها {لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} .
{سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين}
بقلم؛ أبي جندل الأنصاري
بيشاور، 28/ 5/1421 هـ