فهرس الكتاب
قال: (ومما يدل على ذلك أيضًا أن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يبلغنا عنهم من الخوض في هذه الأمور ما يكون أصلًا للباحثين والمتكلفين، كما لم يأتِ ذلك عن صاحب الشريعة -عليه الصلاة والسلام-، وكذلك التابعون المقتدى بهم، لم يكونوا إلا على ما كان عليه الصحابة، بل الذي جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن أصحابه النهيُ عن الخوض في الأمور الإلهية وغيرها، حتى قال:(لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله خالق كل شيء؛ فمن خلق الله؟!) وثبت النهي عن كثرة السؤال، وعن تكلف ما لا يعني عامًّا في الاعتقاديات والعمليات، وأخبر مالك أن من تقدم كانوا يكرهون الكلام إلا فيما تحته عمل، وإنما يريد ما كان من الأشياء التي لا تهتدي العقول لفهمها مما سُكِتَ عنه، أو مما وقع نادرًا من المتشابهات محالًا به على آية التنزيه).
والمقصود بالمتشابهات يعني حقائق أو كيفيات ما يقع مثلًا يوم القيامة وتفاصيله وكذلك كيفيات أسماء الله وصفاته، فالكيف مجهول لنا، ولهذا نُهِينا عنه، وكان الإمام مالك حينما سئل عن الاستواء؛ قال: الاستواء معلوم، يعني من حيث لغة العرب معلوم معناه، والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة ولا أراك إلا ضالًا مبتدعًا، فطرد السائل؛ لأنه لا يريد أن يفتح بابًا للتدقيق في هذه الأمور، وما أوتينا وما توسعت هذه الاختلافات ودخل الناس في التفرق والتشتت إلا حينما دققوا فيما لم يكلفوا التدقيق فيه، يعني دققوا في أمور لم يكلفوا التدقيق فيها، وكما ذكرت لكم سابقًا الذين دققوا في هذه الأمور صنفان: صنف أخذوها من يعني دخلوا في الإسلام وعرفوا ثقافات أخرى ثم أرادوا أن يسقطوها على القرآن، وأن يفسروا بها القرآن وأخذوا هذا التدقيق من الفلسفة أو من المنطق أو غيرها من العلوم، وقسم أرادوا أن يردوا على هؤلاء فما وجدوا طريقًا إلا أن يردوا عليهم بمثل كلامهم وأن يدرسوا ما درسوه ويعرفوا ما عرفوه ويزيدوا فيه، ثم يردوا عليهم.