فهرس الكتاب
بعد طلوع الفجر؛ فلا يجوز أن تأكل ولا تشرب بعده، أما إذا كان يؤذن بليل كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن بلالًا يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) فمعناه أن مجرد الأذان نفسه ليس هو الذي يُربط به وقت الأكل والشرب وإنما هو مربوط بطلوع الفجر، ?حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ?.
هذه التدقيقات إذن هي ليست مطلوبة منّا والإسلام ربط الحكم بأمر ظاهر فلا ينبغي التدقيق في أن نحمل الناس جميعًا على أنهم يرجعون إلى هذا الحساب، وبهذه الدقة وإنما نقول لهم: إن الشرع فيه سعة في هذا الجانب، فلا تضيقوا على أنفسكم.
(وقال -صلى الله عليه وسلم-:(نحن أمة أمية، لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا) ، وقال: (لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) ولم يطالبنا بحساب مسير الشمس مع القمر في المنازل؛ لأن ذلك لم يكن من معهود العرب ولا من علومها، ولدقة الأمر فيه، وصعوبة الطريق إليه وأجرى لنا غلبة الظن في الأحكام مجرى اليقين، وعذر الجاهل فرفع عنه الإثم، وعفا عن الخطإ إلى غير ذلك من الأمور المشتركة للجمهور).
هذا كلام أيضًا جميل جدًا، يقول: إن الشرع ما كلفنا بأن نحسب مسير الشمس وخطوط الطول والعرض ومتى يكون وإنما كلفنا قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم؛ فأكملوا العدة ثلاثين) ، وقال: لم يكلفنا بهذا؛ لأنه أولًا ليس من معهود العرب الأميين الذين نزل القرآن بلغتهم وبُعِثَ الرسول إليهم، وأيضًا هو أمر دقيق لا يدركه عامة الناس، ثم أشار إلى أن الله -جل وعلا- قد أجرى لنا غلبة الظن في الأحكام مجرى اليقين، يعني غلبة الظن يكفي لأن تعمل به ويقوم مقام اليقين ولم يلزمنا باليقين التام في هذه الأمور، وإنما اكتفى منا بالظن فيها، وحيث وجد الظن يرتب الحكم عليه.