فهرس الكتاب
أما من ترك لنفسه هواها في المباحات ولم يمنعها عن شيء وتوسع فيها؛ فإنه قد يؤدي به الأمر إلى أن يقع في المحرمات. أما إذا وقف عند الخط الفاصل فهناك حد فاصل بين المحرم وبين الحلال لكن تربويا ومن حيث العادة إذا نظرنا إليها فإن الإنسان حينما يتعود على أن يلبي جميع الرغبات وهكذا يعني الآن في تربية الأبناء وغيرهم حينما تعطي الابن كل ما تريد لن يقف عند حد سينتقل إلى ما لا يحل. لكن حينما تربيه على أنه يأخذ من متاع الدنيا ما يتيسر ولكن من غير إغراق فيه ومن غير إرسال للنفس فإن هذا سيجعله يقف عند حدود الله ولا يتجاوز ما أحل الله.
فلهذا العاقل من يجعل بينه وبين الحرام وقاية يعني يترك جزءا مما يحل الله له حتى لا يقع في الحرام إذا كان الاسترسال في هذه الأمور سيؤدي به إلى الوقوع في المحرم. فهذا مراده هنا وهو كلام جميل ويقول: (وذلك راجع إلى ما ينشأ عن الأفعال من جهة تلك الأوصاف) يعني من جهة ما تؤدي إليه تلك الأوصاف، وليس النهي عن أن تشتهي الطعام أو أن تشتهي ما أحل الله لك وإنما النهي أن تؤدي هذه النزعة إلى وقوعك في المحرم وتتجاوز ما أباح الله لك.
قال -رحمه الله-: ( المسألة الثالثة: إن ثبت بالدليل أن ثم أوصاف تماثل ما تقدم في كونها مطبوعا عليها الإنسان فحكمها حكمها؛ لأن الأوصاف المطبوعة عليها ضربان؛ منها ما يكون ذلك فيه مشاهدا ومحسوسا كالذي تقدم، ومنها ما يكون خفيا حتى يثبت بالبرهان فيه ذلك. ومثاله العجلة فإن ظاهر القرآن أنها مما طبع الإنسان عليه؛ لقوله -تعالى-: ?خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ?، وفي الصحيح(إن إبليس لما رأى آدم أجوف؛ علم أنه خلق خلقا لا يتمالك) ، وقد جاء أن الشجاعة والجبن غرائز، وجبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. إلى أشياء من هذا القبيل، وقد جعل منها الغضب وهو معدود عند الزهاد من المهلكات وجاء (يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب ) )