الصفحة 1348 من 6458

قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (تقدم الكلام على التكليف بما لا يدخل تحت مقدور المكلف، وبقي النظر فيما يدخل تحت مقدوره لكنه شاق عليه، فهذا موضعه، فإنه لا يلزم إذا علمنا من قصد الشارع نفي التكليف بما لا يُطاق، أن نعلم منه نفي التكليف بأنواع المشاق، ولذلك ثبت في الشرائع الأول التكليفُ بالمشاق، ولم يثبت فيها التكليف بما لا يُطاق. وأيضًا فإن التكليف بما لا يُطاق قد منعه جماعة عقلاء، بل أكثر العلماء من الأشعرية وغيرهم. وأما المعتزلة؛ فذلك أصلهم، بخلاف التكليف بما يشق، فإذا كان كذلك فلا بد من النظر في ذلك بالنسبة إلى هذه الشريعة الفاضلة، ولا بد قبل الخوض في المطلوب من النظر في معنى المشقة وهي في أصل اللغة من قولك: شَقَّ عليَّ الشيءُ يشُقُّ شقًّا ومشقة إذا أتعبك، ومنه قوله تعالى: ?لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ? [النحل: 7] ، والشق: هو الاسم من المشقة وهذا المعنى إذا أخذ مطلقًا من غير نظر إلى الوضع العربي؛ اقتضى أربعة أوجه اصطلاحية) .

يعني لفظ المشقة إذا أخذ مجردًا من أصل وضعه اللغوي وليس الوضع الاصطلاحي؛ يمكن أن يطلق على أربعة معانٍ.

(أحدها:

أن يكون عامًا في المقدور عليه وغيره؛ فتكليف ما لا يُطاق يُسَمَّى مشقة، من حيث كان تطلب الإنسان نفسه بحمله مُوقِعًا في عناء وتعب لا يجدي، فالمقعد إذا تكلف القيام، والإنسان إذا تكلف الطيران في الهواء وما أشبه ذلك، فحين اجتمع مع المقدور عليه الشاقُّ الحَمْل إذا تحمل في نفسه المشقة؛ سُمي العمل شاقًا والتعب بتكلف حمله مشقة.

الثاني:

أن يكون خاصًا بالمقدور عليه، إلا أنه خارج عن المعتاد في الأعمال العادية، بحيث يشوش على النفوس في تصرفها، ويقلقها في القيام بما في تلك المشقة، إلا أن هذا الوجه على ضربين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت