الصفحة 1357 من 6458

لكن أن تعذب نفسك بالوقوف في الشمس، وترك الظل؛ لأن الوقوف في الشمس يؤدي إلى العطش الشديد، فكأنه هو -رضي الله عنه- أراد أن يتقرب إلى الله، ويقول: أنا مع الصوم أقف في الشمس وفي الحر الشديد حتى يشتد عطشي فأنال ثوابًا أكثر، فالرسول -عليه الصلاة والسلام- لم يُقِرَّه على ذلك، وإنما قال يعني أمره أن يصوم ولكن لا يقف في الشمس، ولا يعذب نفسه أو يشق على نفسه يعني لا يقصد إلى المشقة بذاتها؛ لأن هنا الصوم ينفصل عن هذه المشقة، ليس من لوازم الصوم أن تعطش عطشًا كثيرًا، وأن تقف في الشمس، ولهذا لما كان يعني يدلك على هذا أيضًا حديث آخر لما كان المشي إلى الحج مقصودًا تبعيًّا للشارع، وفيه ثواب زائد على ثواب حج الإنسان؛ لم يمنع المرأة التي نذرت أن تحج ماشية من المشي، وإنما قال لها: (لتمش ولتركب) كما ورد في حديث أخت عقبة، وهو حديث متفق عليه؛ أنها نذرت أن تحج ماشية، أن تمشي إلى بيت الله الحرام وتحج ماشية، فقال: (لتمش ولتركب) يعني لا تشق على نفسها بالمشي ولا أيضًا تترك المشي، تمشي ما هان عليها المشي، فإذا شق عليها المشي مشقة خارجة عن المعتاد؛ لأن هذه عبادة، إذا خرجت المشقة عن المعتاد تترك المشي وتركب ولتحج ولتتم حجها, فهذا دليل على أن المشقة بذاتها ليست من مقاصد الشارع، ولا يقصد الشارع إليها، وإن جاءت تبعًا مع العبادة؛ فإنها تكون تابعة للعبادة، وليست مستقلة بالقصد.

الشاطبي أورد إشكالًا على هذا الموضع، وقال: قد يرد على هذا إشكال واعتراض، فيقال مثلًا: إن الشارع سَمَّى أوامر الشريعة ونواهيها تكليفًا، في قوله: ?لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا? فمفهومه أنه يكلفها وسعها، لَمَّا نفى أن يكلف ما زاد عن الوسع؛ أثبت أنه يكلف ما هو داخل تحت وُسع الإنسان وإن كان فيه نوع مشقة، فيقولون: هي تسمى التكاليف الشرعية؛ فكيف تقولون إنها غير مقصودة والشرع أمر بها وفيها هذه التكاليف؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت