فهرس الكتاب
وبعد، فحديثا اليوم هو متصل بما قلناه بالأمس، وقبل أن نشرع في قاعدة جديدة من القواعد التي رتبها الشاطبي نذكر التسلسل الذي اتبعه الإمام الشاطبي حتى نصل إلى هذه القاعدة؛ لأن الإمام الشاطبي تكلم عن هذه القواعد في تسلسل منطقيّ عجيب يعني إذا أدركته يعينك على فهم الكلام مستوفى. فهو تكلم أولا عن التكليف بما يُعجز عنه يعني بغير المقدور وبين أن الشارع لا يقصد إليه ولا يمكن أن يقع. ثم تكلم عن التكليف بالشاق وبين أيضا أنه كذلك لا يمكن أن يكون مقصودا للشارع، وأنه غير واقع في الشريعة، وبين أن الذي لا يقع من التكليف بالشاق هو الذي فيه مشقة غير معتادة ثم انتقل إلى الكلام عما فيه مشقة معتادة هل يمكن أن يكلفنا الله به ويقصد العمل الذي فيه مشقة لكنها مشقة معتادة؟
وأجاب بأنْ نعم أكثر التكاليف فيها شيء من المشقة لكنها مشقة معتادة فيها مشقة ولهذا سميت تكليفا، ثم قال هل هذه المشقة المعتادة مقصودة للشارع؟
وأجاب بأنها غير مقصودة للشارع وأنها إنما تدخل تبعا لمقصوده وإلا؛ فهي ليست مقصودة بدليل أنها لو انفصلت؛ لم تكن يعني مقصودة، وبدليل ما سبق من أن الشارع لا يقصد إلى مشقة العباد وإلى إعناتهم وإيقاعهم في أي عنت وإن كان قليلا فهي بذاتها غير مقصودة للشارع.
لَمَّا فرغ من هذا قال هل يثاب عليها؟ فتكلم في الثواب عليها وبين أنها إذا كانت لا تنفك عن العمل؛ فالثواب عليها يكون تبعا للثواب على العمل ليس خاصا بها. وإن كانت يعني لم يتقصدها المكلف، وإنما هي تأتي تبعا؛ فهذا الثواب يكون تبعا. أما لو أن المكلف بحث عن هذه المشقة وحاول أن يفعلها أو يفعل الفعل موصوفا بها؛ فلا يثاب على المشقة.