الصفحة 1370 من 6458

فقال هذا المشقة غير المعتادة التي تلزم من الفعل الشرعي أو من الفعل المأذون فيه هي إما أن يكون المكلف جَرَّها إلى نفسه وتسبب فيها، وإما أن لا يكون له فيها يد. فإن كان المكلف هو الذي يتسبب فيها ويريد أن تلحق بالعمل المشروع حتى يعظم أجره؛ فهذا النوع من المشاق لا يثاب عليه الإنسان بل ينهى عنه ويعاقب عليه، ولهذا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا إسرائيل حينما رآه قائما في الشمس ولا يستظل وهو صائم، وحينما سئل عن هذا قيل له إنه نذر أن يصوم في الشمس ولا يستظل فنهاه عن هذا الفعل وأمره بأن يستظل وأن يجلس وأن يتم صومه. ففصل -عليه الصلاة والسلام- بين المشروع وغير المشروع فلما قصد التلبس بالعبادة وقصد خلط آثار شاقة بها؛ أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يفصل بينها لأن هذا راجع إليه. فإذن الإنسان منهي عن تقصد المشاق وتتبع للمشاق، وما ورد من إشكالات على هذا قد سبق الكلام في الجواب عنها يعني ما ورد مثلًا من أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- لم يأذن لبني سلمة بترك ديارهم والقرب من المسجد قد ورد عن الجواب عنه وهو عن الرسول -عليه الصلاة والسلام- أراد أن لا تخلو ناحية المدينة من جهتهم ليكونوا حراسا عليها من تلك الجهة وما عدا ذلك من الأخبار كالخبر مثلًا عن أبي موسى الأشعري أنه كان يتتبع الأيام ذات الحرارة الشديدة ليصومها؛ فهذا معارض بمثله من غيره من الصحابة وسيأتي -إن شاء الله- لذلك كثير من الأمثلة في القراءة.

يبقى أن يكون هذا العمل ليس من جهته ولم يتسبب فيه هذا الحرج وهذه المشقة التي تلحق الفعل المشروع هو لا يد للمكلف فيها ليس للمكلف فيها يد؛ كأن يصوم الإنسان وهو مريض، أو يحج وهو زَمِنٌ غير قادر على تعب الحج فمثل هذه المشقة هل يؤاخذ الإنسان عليها وينهى عن الفعل المقارن لها أو المؤدي إليها أم لا ينهى؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت