الصفحة 1391 من 6458

بقي أن هناك بعض المشاق لو دفعها الإنسان عن نفسه لتسبب عنها مشاق أخرى إما عامة أو خاصة، وهذه يُرجع فيها إلى ما قلنا من أنه تأتي فيها الموازنة بين المشقتين، إن كانت المشقة الخاصة دفعها سيؤدي إلى مشقة عامة تعم الإنسان وغيره، فهذه لا يفعلها، والشاطبي يُمَثِّلُ لهذا بالولاية ولاية أمر المسلمين، أو ولاية شيء من أمورهم إذا تعينت على الإنسان وتبين أنه الأحق والأصلح لها فيقول: ينبغي ألا يدفعها عن نفسه؛ لأنها أيضًا الولايات فيها مشاق ولا شك، فلا يدفعها عن نفسه؛ لأنه لو تأخر عن القيام بهذا الواجب للحقت المشقة بأكبر قدر ممكن من الناس به وبغيره، وأما الولايات الأخص أو الأعمال التي ينتفع بها قدر كبير من المسلمين ولكنها ليست ولاية عليهم كعمل الطبيب مثلًا، والمفتي والقاضي، القاضي قد يقول: أنا ينالني إثم من القضاء وأخشى أن أقع في الإثم من القضاء، وتنالني مشقة أيضًا في نفسي، في ترك مثلًا القيام بشئوني الخاصة، قد تقل عبادتي مثلًا لانشغالي بالقضاء وبالفتوى وبتعليم الناس، فهل مثل هذا يكفي لأن يتنحى عن هذا العمل الذي ينتفع به آخرون؟ يقول الشاطبي: هذا ليس عذرًا له، يعني أن هذا لا يُعد عذرًا له، ولا ينبغي أن يقدم مصلحته الخاصة أو يدفع المشقة الخاصة عليه بإيقاع مشقة على عدد كبير من الناس، إلا إذا علم أنه يوجد فيهم من يقوم بهذا الواجب، وهو يمثله كما ذكرت لكم بالقاضي والمفتي والطبيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت